من يهدد الصحافة فعلاً؟ قراءة تحليلية في خطاب محمد أوزين

0
354

بقلم / قراءة تحليلية في خطاب محمد أوزين 
الأمين العام لحزب الحركة الشعبية

في مقاله المعنون بـ«من يغتال الصحافة اليوم؟»، يخرج الأمين العام لحزب الحركة الشعبية محمد أوزين من دائرة الصمت إلى المواجهة المباشرة، معلناً موقفاً سياسياً وإعلامياً واضحاً من النقاش الدائر حول قانون المجلس الوطني للصحافة وقرار المحكمة الدستورية وما تلاه من جدل في الساحة الإعلامية.

لكن ما كتبه لا يمكن قراءته فقط كردّ سياسي أو سجال شخصي، بل كبيان موقف يعكس صراعاً أعمق: صراعاً حول طبيعة الإعلام، وحدود السلطة المهنية، وعلاقة الصحافة بالمال العام وبالمؤسسات الدستورية.

أولاً: من الدفاع عن القانون إلى مساءلة “الخطاب الإعلامي”

يبدأ أوزين نصه بتبرير سبب خروجه للكتابة، فيضع ثلاثة اعتبارات أخلاقية ودينية وسياسية تسبق الموقف نفسه. هذا التقديم ليس عرضياً، بل يحمل رسالة ضمنية: أنه لا يتحرك بدافع تصفية حسابات، بل بدافع “دحض التضليل”.

التحليل هنا يكشف أن المعركة التي يشير إليها لا تدور فقط حول نص قانوني، بل حول سردية مهيمنة حاولت – من وجهة نظره – تصوير قرار المحكمة الدستورية كأنه استهداف للصحافيين بدل أن يكون تصحيحاً دستورياً لمسار تشريعي.

وهنا يطرح سؤال استراتيجي: هل المشكلة في القانون نفسه أم في طريقة صياغته وتدبيره مؤسساتياً؟

هذا السؤال يتجاوز الجدل الظرفي ليضع النقاش داخل إطار أوسع يتعلق بجودة التشريع وعلاقته بالرقابة الدستورية.

ثانياً: توصيفه لـ«المايسترو»… من الشخصنة إلى تفكيك نموذج إعلامي

يستخدم أوزين لغة نقدية حادة حين يتحدث عن شخصية إعلامية اعتبرها محور الجدل. هو لا يكتفي بانتقاد موقف، بل يفكك نموذجاً إعلامياً يسميه “صحافة المقاولة” أو “الفضائح”.

من خلال تحليله، يتضح أن الرسالة الأساسية موجهة إلى ثلاثة أطراف:

1. المجتمع

تحذير من تحويل الفضائح والتشهير إلى صناعة رأسمال إعلامي يضرب القيم المجتمعية ويؤثر في “تمغربيت” كما يسميها.

2. المسؤول

إشارة إلى مسؤولية الدولة والمؤسسات في ضبط العلاقة بين الدعم العمومي والإنتاج الإعلامي، ووقف أي احتكار للإشهار أو التحكم فيه بشكل فردي.

3. الصحافيون الشباب

النقطة الأهم في خطابه: الدفاع المعلن عن الصحافة المهنية مع التحذير من تحويل الصحافي الشاب إلى رهينة داخل منظومة تتحكم في شروط العمل والتمويل.

هنا يتحول النص من هجوم شخصي إلى نقد بنيوي لاقتصاد الإعلام في المغرب.

ثالثاً: المحكمة الدستورية… بين تصحيح التشريع وتداعيات القرار

أحد المحاور القوية في المقال هو تناوله لقرار المحكمة الدستورية باعتباره محطة مفصلية.

أوزين يقرأ القرار لا كخسارة سياسية، بل كتصحيح لمسار قانوني اعتبره مخالفاً للدستور. لكنه في الوقت نفسه يحذر من التداعيات الاجتماعية المحتملة على العاملين في القطاع.

هذا الطرح يفتح سؤالاً أعمق:

هل يمكن حماية حرية الصحافة عبر قوانين تنظيمية، أم أن أي تنظيم قانوني يحمل في داخله احتمال التضييق إذا لم يُصغ في إطار توافقي واسع؟

النقاش هنا لا يتعلق بالبطاقة المهنية فقط، بل بمفهوم التنظيم الذاتي للمهنة، وحدود تدخل الدولة.

رابعاً: الدعم العمومي… بين الحماية والتبعية

من النقاط المثيرة في المقال إشارته إلى مسألة الدعم العمومي وأجور الصحافيين.

أوزين يلمّح إلى أن بعض الخطابات الإعلامية تستثمر فكرة “الدفاع عن الصحافيين” بينما تُغفل حقيقة أن الأجور والدعم يأتيان من خزينة الدولة، أي من المال العام.

وهنا يطرح تحليله سؤالاً جوهرياً:

كيف يمكن ضمان استقلالية الصحافة إذا كانت بنيتها الاقتصادية تعتمد بشكل كبير على الدعم والإشهار الموجه؟

هذه الإشكالية ليست مغربية فقط، بل هي تحدٍ عالمي في ظل تراجع نماذج التمويل التقليدية وارتفاع تأثير رأس المال في الإعلام.

خامساً: المعركة التي يصفها ليست قانونية… بل قيمية

أقوى ما في النص هو تحويله للصراع من مجرد خلاف حول مادة قانونية إلى معركة بين نموذجين:

  • صحافة يعتبرها “رسالة” مرتبطة بالمسؤولية الأخلاقية.

  • وصحافة يصفها بأنها “مقاولة تشهيرية” تستثمر في الإثارة والفضيحة.

هذا التقسيم يحمل بعداً خطابياً واضحاً، لكنه يعكس أيضاً انقساماً حقيقياً داخل المشهد الإعلامي نفسه حول حدود الحرية والمسؤولية.

غير أن السؤال الاستراتيجي الذي يمكن أن يُستخلص من طرحه هو:

من يحدد معيار المهنية؟
هل هي المؤسسات التنظيمية؟
 أم السوق؟
أم التوافق المهني بين الفاعلين؟

سادساً: أبعاد سياسية أوسع للنص

قراءة المقال في سياقه السياسي تكشف أنه لا ينفصل عن موقع حزب الحركة الشعبية في المعارضة.

الخطاب يحمل رسائل متعددة:

  • تثبيت موقف سياسي داعم لقرار المحكمة الدستورية.

  • تسجيل اعتراض على هيمنة فاعل إعلامي معين على المجال العام.

  • تأكيد أن الحزب يتبنى خطاب حماية المؤسسات مع رفض استغلالها في الصراع الإعلامي.

بمعنى آخر، النص لا يهدف فقط إلى الرد، بل إلى إعادة تموضع سياسي داخل النقاش العمومي حول الإعلام والدستور.

خلاصة تحليلية

مقال محمد أوزين لا يمكن اختزاله في سجال شخصي، بل هو تدخل سياسي في نقاش أوسع حول:

  • حدود التنظيم القانوني للمهنة.

  • تمويل الصحافة واستقلاليتها.

  • دور المؤسسات الدستورية في ضبط التشريعات.

  • العلاقة بين الإعلام والسلطة والمال العام.

وإذا كان السؤال الذي طرحه هو: “من يغتال الصحافة اليوم؟”

فإن التحليل يكشف أن الإجابة ليست أحادية، بل مرتبطة بتشابك عوامل قانونية واقتصادية وأخلاقية داخل منظومة إعلامية تمر بمرحلة انتقالية صعبة.

(*) المقال الأصلي بقلم الأمين العام لحزب الحركة الشعبية محمد أوزين – تم تحليله وقراءته ضمن سياق نقدي معمّق.