مواجهة البرد القارس في المغرب: من ملاعب البطولة الإفريقية إلى شوارع المتشردين

0
110

بينما تتألق المغرب على الساحة القارية من خلال تنظيم بطولة إفريقية كبرى في ملاعب فاخرة تكلف ملايين الدراهم، تواجه السلطات والمجتمع المدني في الوقت نفسه تحديات من نوع آخر، على مستوى الشارع والإنسانية، حيث تتكاثر حالات الأشخاص بدون مأوى في ظل موجات البرد القارس لموسم شتاء 2025-2026.

رواتب، مشاريع، ورؤى: قراءة في موقع وليد الركراكي داخل هرم التدريب الإفريقي

تثير هذه الظاهرة سؤالاً جوهرياً: هل يمكن للمغرب، الذي يسعى إلى تعزيز صورته العالمية في الضيافة والكرم، أن يوازي بين الاحتفاء بالمستوى الرياضي والمراعاة الإنسانية لفئات المجتمع الأكثر هشاشة؟ فبينما تُكرَّم الفرق والضيوف في الملاعب، يعيش آخرون في الشارع، على فرش أرضية تحت السماء، معرضين للبرد والمخاطر الصحية.

الأزمة الاجتماعية تتجاوز الطابع الموسمي

المتتبعون للشأن الاجتماعي يؤكدون أن معالجة ملف الأشخاص بدون مأوى لم تعد مجرد رفاهية أو عمل إحساني، بل تحولت إلى ضرورة اجتماعية وأمنية ملحة. فمع انخفاض درجات الحرارة إلى ما دون الصفر في بعض المناطق، أصبحت الحاجة إلى تدخلات مستمرة ومنسقة أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى.




زهير الطاهري، أمين مال جمعية “نماء” في جهة الرباط-سلا-القنيطرة، يوضح أن الجمعية تحركت منذ أكثر من سنتين ضمن برنامج سنوي اسمه “فِيَّا البرد”، يعتمد على توزيع الأغطية والملابس والوجبات الساخنة، ويستهدف من 100 إلى 200 شخص أسبوعياً. وأكد أن العمل الميداني لم يقتصر على جهة واحدة بل امتد إلى مناطق متعددة، مع الاستعداد لإطلاق قافلة طبية واجتماعية كبرى في إقليم الخميسات تستهدف نحو 400 أسرة.

تنسيق الجمعيات والسلطات: نجاح نسبي مع تحديات مستمرة

عبد الرحيم اليوبي، نائب رئيس جمعية “دفء”، يشير إلى أن المبادرة السنوية، والتي انطلقت في نوفمبر الماضي، شملت 23 جولة ميدانية وتوزيع 2514 وجبة غذائية، إضافة إلى 17 تدخلًا طبياً، وإعادة حالتين إلى أسرتهما. وأكد أن تنسيق الجمعيات ساعد على تغطية أيام الأسبوع بشكل متواصل، مع مراعاة عدم تكرار الجولات في يوم واحد.

وفي تفاعل مع السلطات، تمت الاستفادة من خبرة المسؤولين المحليين في الوصول إلى الحالات الصعبة، ما يعكس نموذجًا للتعاون المدني-الرسمي. إلا أن هذا التعاون، ورغم أهميته، لا يزال يواجه قيود الموارد الرسمية، حيث تعتمد الجمعيات بشكل أساسي على تبرعات المحسنين.

بين الملاعب الفاخرة وشتاء الشارع

التحليل يكشف مفارقة واضحة: في الوقت الذي يُنفق فيه المغرب الملايين على تجهيز ملاعب البطولة الإفريقية، تبقى فئات واسعة من المواطنين خارج أي شبكة حماية، معرضين لمخاطر الطقس القاسي. هذه الفجوة بين الاهتمام بالمظاهر والإنجازات العالمية، وبين الوضع الإنساني المحلي، تطرح تحديات تتعلق بالسياسات العمومية للإدماج الاجتماعي، وضرورة بلورة استراتيجيات وطنية شاملة لمواجهة البرد، تتجاوز الحملات الموسمية، مع التركيز على صون الكرامة الإنسانية.




الخلاصة: من الكرم التقليدي إلى التخطيط المستدام

النجاح في تنظيم البطولات الكبرى يعطي صورة عن قدرة المغرب على الترتيب والإدارة، لكنه يسلط الضوء في الوقت ذاته على فجوات اجتماعية عميقة. العمل المدني المستمر، سواء عبر “نماء” أو “دفء”، يقدم حلولاً مؤقتة وفاعلة، لكنه يظل محدود الموارد والتغطية.




السؤال الكبير يبقى: هل ستتخذ السلطات خطوات استراتيجية مماثلة لما فعلته في الملاعب، لضمان استمرارية التدخلات الإنسانية في مواجهة البرد القارس؟ أم سيظل شتاء الشارع موسمًا للاعتماد على جهود الجمعيات والمبادرات الفردية؟