“ميثاق الشرف الانتخابي في خطاب بنكيران: أخلاقيات على الورق وغياب مغاربة العالم عن الحسابات”

0
98

ميثاق الشرف الانتخابي بين النصوص والواقع: قراءة تحليلية نقدية في مذكرة حزب العدالة والتنمية

كلما اقترب المغرب من محطة انتخابية جديدة، تعود إلى الواجهة نقاشات حول “ميثاق الشرف الانتخابي” باعتباره التزامًا أخلاقيًا بين الأحزاب والفاعلين السياسيين. وفي سياق التحضير للانتخابات التشريعية المقبلة، رفع حزب العدالة والتنمية مذكرة مفصّلة إلى وزارة الداخلية، تضمنت مجموعة من المقترحات لتجويد المنظومة القانونية المؤطرة للعملية الانتخابية. لكن السؤال الذي يفرض نفسه هنا: هل نحن أمام اجتهاد صادق لتقوية الممارسة الديمقراطية، أم أمام مناورة حزبية لاستعادة المبادرة السياسية بعد سنوات من التراجع؟

المذكرة في سياقها السياسي

جاءت مذكرة “البيجيدي” في ظرفية دقيقة يمر منها الحزب بعد خسارات متتالية في صناديق الاقتراع وفقدانه لجزء كبير من قواعده الاجتماعية. وهو ما يثير تساؤلات حول ما إذا كان الهدف من هذه المبادرة هو الدفاع عن مبادئ الشفافية والنزاهة، أم محاولة إعادة تموقع سياسي عبر خطاب إصلاحي يتوسل شرعية أخلاقية.

المذكرة ركّزت على قضايا تقنية وتنظيمية: تمويل الحملات، حياد الإدارة، شفافية اللوائح الانتخابية، وتكافؤ الفرص بين الأحزاب. لكنها بالمقابل أغفلت جوانب أساسية منصوص عليها دستوريًا، وعلى رأسها مشاركة مغاربة العالم في العملية الانتخابية.

مغاربة العالم: الغائب الحاضر

منذ دستور 2011، الذي نصّ بوضوح على حق المواطنين المقيمين بالخارج في المشاركة السياسية، ظل هذا المقتضى حبرًا على ورق. كل الحكومات المتعاقبة، رغم تعدد انتماءاتها الحزبية، تهرّبت من تفعيل هذا الحق بدعوى التعقيدات التقنية واللوجستية.

والمفارقة أن حزب العدالة والتنمية، الذي قاد الحكومة لولايتين متتاليتين، لم يُدرج هذا الموضوع ضمن أولوياته، بل اكتفى بمواقف رمزية لا ترقى إلى مستوى المبادرة التشريعية الجادة. واليوم، وهو يرفع مذكرة انتخابية جديدة، يُعيد إنتاج نفس الصمت السياسي وكأن ملايين المغاربة في المهجر ليسوا جزءًا من الجسد الانتخابي الوطني.

تجارب دولية: الدرس المقارن

  • فرنسا: منذ خمسينيات القرن الماضي، يشارك الفرنسيون المقيمون بالخارج في الانتخابات الرئاسية والتشريعية عبر دوائر خاصة، ولهم ممثلون مباشرون في البرلمان الفرنسي.

  • إيطاليا: اعتمدت منذ 2001 نظام “الدائرة الخارجية” (Circoscrizione Estero) الذي يضمن تمثيل الجالية الإيطالية عبر 12 نائبًا في البرلمان.

  • تونس: بعد الثورة، نصّ دستور 2014 على مشاركة التونسيين بالخارج، وأُحدثت لهم مقاعد في مجلس نواب الشعب.

مقارنة بهذه التجارب، يبدو أن المغرب لم يتجاوز بعد “المرحلة الرمزية” في التعامل مع جاليته بالخارج، رغم أن وزنها الاقتصادي (تحويلات تفوق 100 مليار درهم سنويًا) والسياسي (شبكات نفوذ قوية في أوروبا وأمريكا) يجعلها ورقة استراتيجية في أي مشروع ديمقراطي جاد.

ميثاق الشرف الانتخابي: بين الخطاب والممارسة

تاريخيًا، شهد المغرب عدة مبادرات لما سُمّي بـ”ميثاق الشرف الانتخابي”، لكنها غالبًا ما بقيت حبرًا على ورق، إذ لا تُوجد آليات ملزمة لتطبيقها. ومن الأمثلة:

  • في انتخابات 2002، جرى الحديث عن ميثاق أخلاقي لكن تم خرقه عبر استعمال المال والضغط الإداري.

  • في انتخابات 2016، رغم الشعارات الكبيرة حول النزاهة، اتُّهمت بعض الأحزاب باستعمال النفوذ وشراء الذمم.

هذا ما يجعل أي حديث عن “ميثاق شرف” دون ضمانات قانونية ومؤسساتية نوعًا من “التعاقد الرمزي” أكثر منه التزامًا فعليًا.

المسكوت عنه: أزمة الثقة

أخطر ما تكشفه مذكرة “البيجيدي” ليس فقط صمتها عن مشاركة مغاربة العالم، بل أيضًا غياب أي رؤية جديدة لإعادة بناء الثقة بين الناخبين والمؤسسات. فالأزمة الحقيقية ليست في القوانين وحدها، بل في الثقافة الانتخابية التي ما تزال رهينة منطق الزبونية والولاءات الشخصية.

أسئلة للنقاش

  • ما قيمة “ميثاق الشرف الانتخابي” إذا لم يشمل كل مكونات الشعب المغربي، بمن فيهم مغاربة العالم؟

  • كيف يمكن للأحزاب أن تطالب بالنزاهة وهي نفسها لم تنجح بعد في تحقيق الديمقراطية الداخلية؟

  • ألا يُخشى أن تتحول هذه المذكرات إلى مجرد أوراق ضغط ظرفية بدل أن تكون لبنات لمسار إصلاحي حقيقي؟

خاتمة: نحو ميثاق مواطنة شامل

إن أي إصلاح انتخابي جاد يجب أن يتجاوز منطق الحسابات الحزبية الضيقة نحو رؤية وطنية شاملة، يكون فيها المواطن – سواء داخل الوطن أو في المهجر – في قلب العملية. ميثاق الشرف الحقيقي ليس هو ما يُكتب في الأوراق ويرفع للوزارة، بل ما يُترجم إلى ممارسات ملموسة: حياد الإدارة، شفافية التمويل، فتح المجال أمام الشباب والنساء، وضمان تمثيلية فعلية لمغاربة العالم.

فالديمقراطية ليست شعارًا انتخابيًا، بل هي ثقافة سياسية تُبنى بالصبر، والصدق، والجرأة في مواجهة المسكوت عنه.