ميداوي أمام البرلمان: استدعاء متوقع — هل هو اختبار مصداقية أم مناورة سياسوية؟

0
273

أعلن مصدر رفيع بوزارة التعليم العالي أن الوزير عزّ الدين الميداوي “أبدى استعداده المبدئي” للحضور أمام لجنة التعليم والثقافة والاتصال بمجلس النواب، فور وصول الدعوة الرسمية من مكتب الغرفة الأولى، وذلك في إطار “احترام المؤسسات” و”ضمان ممارسة البرلمان لصلاحياته”. التصريح الذي تداوله الإعلام يؤكد نبرة انفتاح رسمية تبدو مناسبة لحلحلة عدد من ملفات الجامعة قبل الدخول الجامعي.

لكن وراء هذا الإيجاز الرسمي ثمة ملفات متراكمة — احتجاجات طلابية (أبرزها أزمة طلبة الطب والصيدلة)، احتجاجات نقابية في قطاع التعليم العالي، انتقادات حول مناهج وسياسات الإصلاح، وتساؤلات حول منهجية إشراك الشركاء الاجتماعيين — كلها تجعل جلسة المساءلة اختبارًا حقيقيًا لقدرة الوزارة على الاستجابة والشفافية.

لماذا الاستدعاء الآن؟ الأسباب والمسببات الممكنة

  1. وتيرة الدخول الجامعي و«دوامة الإصلاح»
    الأزمة التعليمية عادة تتفاقم قبيل أو عند بداية الموسم الجامعي. الدعوة البرلمانية تأتي «وقبل الدخول الجامعي» كما صرّح رئيس لجنة التعليم، بدافع الاستعجال وضرورة تدارك أي انقطاع دراسي أو احتقان قد يؤثر على الطلبة. هذا عامل لوجستي وعملي يدفع البرلمان إلى طلب توضيحات فورية.

  2. ملفات طلابية ونقابية لم تحسم بعد
    ملفات مثل مقاطعة طلبة الطب والصيدلة (التي امتدت في سنوات سابقة وسبّبت احتقانًا واسعًا) وملفات موظفي الجامعة والحركات النقابية تضع ضغطًا مستمرًا على الوزير الجديد لعرض خارطة طريق واضحة. حتى إن حلّ ملفات سابقة تم عبر وساطات (وسيط المملكة) وهو ما يُظهر حساسية الملف وعمقه.

  3. انتظارات برلمانية بخصوص “مقاربة الإشراك”
    طلب لجنة النواب مناقشة “دوامة الإصلاح وتغييب مقاربة الإشراك” يلمّح إلى اتهامات بتسيير إصلاحات مركزية دون إشراك كافٍ مع الجامعات، النقابات، والفاعلين المدنيين. هذه اتهامات سياسية ومنهجية تستلزم توضيحًا مفصلاً من الوزارة.

  4. بُعد سياسي وانتخابي
    دخول الوزير البرلمان في هذا التوقيت يحمل أيضًا بُعدًا سياسيًا: الحكومة لا تزال تحت ضغط تقييم الأداء قبل استحقاقات قادمة؛ حضور الوزير وقدرته على إقناع النواب قد يُستثمر إعلاميًا لصالح الحكومة أو، عكسًا، يصعد المنسوب الانتقادي ضدها.

ما الذي يواجه الوزير فعلاً داخل اللجنة؟ نقاط قوة وضعف الموقف

نقاط قوة ميداوي في مسألة المساءلة

  • خلفية أكاديمية ومهنيّة: الوزير أستاذ وجامعي ورئيس سابق لجامعة؛ هذه الخلفية تمنحه مصداقية تقنية أمام النواب والمهنيين. تُبيّن سيرته أنه ملمّ بالقضايا الأكاديمية، ما يساعده على تفنيد بعض النقاط الفنية.

  • إظهار الاستعداد للحوار: تصريح الوزارة عن الاستعداد للحضور يعكس حسن نية ظاهرًا، ويصعب على النواب اتهام الوزير بـ”التهرّب” إن حضر وتجاوب بنسق مناسب.

نقاط ضعف قد تُعرقل موقفه

  • قضايا عالقة ذات حساسية اجتماعية: ملفات طلبة الطب، مطالب الموظفين، النقاش حول النظام الأساسي لموظفي التعليم العالي وقانون 59.24 كلها نقاط لا تحتمل إجابات تقنية سطحية؛ وتتطلب حلولًا ملموسة وخططًا زمنية واضحة. إن لم يقدم الوزير جداول زمنية والتزامات قابلة للقياس، فسيفقد زخمه سريعًا.

  • ذاكرة صدامات سابقة مع البرلمان والوسط الجامعي: أي إحالة إلى ممارسات “تغييب الإشراك” ستجعل النواب يطالبون بسجلات الاجتماعات، محاضر الحوار القطاعي، ومراسلات مع النقابات — وهي وثائق قد تكشف هفوات إجرائية أو تراخيًا في التواصل.

  • توقعات إعلامية ونقابية مرتفعة: الحضور أمام اللجنة يعني أيضًا مواجهة كاميرات وشهادات نيابية ونقابية ممكن أن تُحرج الوزير إن لم يكن مستعدًا بمستندات وإجابات موثّقة.

هل الاستعداد للحضور «حقيقي» أم «مناورة»؟ تحليل الاحتمالات

  1. السيناريو الأول — استجابة حقيقية وشفافة
    الوزير يقدّم بيانات مفصّلة، جداول زمنية، محاضر حوار مع النقابات والجامعات، والتزامات واضحة لتسوية ملفات طلابية ومهنية. هذا سيناريو يعزز مناطبه، ويحوّل جلسة المساءلة إلى منصة حوار بنّاء. مؤشرات في هذا الاتجاه: تصريح الوزارة عن الاحترام للمؤسسات واستعداد الوزير للحوار.

  2. السيناريو الثاني — حضور شكلي لتطويق الانتقاد
    الوزير يحضر، يقدّم بيانات عامة، يكرر وعودًا بلا جداول تطبيقية، ويستخدم الموقف الإعلامي لامتصاص موجة النقد دون تنفيذ فعلي. هذا السيناريو يبدو أمراً وارداً إذا لم تُحضَر مستندات ملموسة. يُستخدم الحضور أداة للتواصل الإعلامي أكثر من كونه آلية مساءلة. سيثير ذلك سخط نواب المعارضة والنقابات ويعود الملف إلى نقطة الصفر.

  3. السيناريو الثالث — مناورة تكتيكية مؤجلة
    الوزير يؤجل حضورًا متكررًا أو يطلب تحديد موعد لاحق بحجج اللوجستيك والتنسيق، ما يعطّل البرلمان ويستنزف سقف اهتمام الرأي العام حتى يبرد الموضوع. هذا السيناريو يكشف عن رغبة في كسب الوقت لبلورة حلول جزئية أو تفاوضية خارج الشفافية البرلمانية.

تقييمي: تصريح الاستعداد الحالي حقيقي من حيث النية، لكن مدى صدقيته مرتبط بجانبين: (1) ما إذا أرفق الوزير استعداده بوثائق فعليّة (محاضر حوار، برمجة حلول، خطط زمنية)، و(2) كيفية تفاعل اللجنة (هل تطلب مستندات مسبقة أم تكتفي بالجلسة التفسيرية فقط). بدون وثائق واضحة، يصبح الحضور مجرد موضع عرض إعلامي وليس مساءلة فعالة.

الأسئلة التي يجب أن تُطرح في لجنة المساءلة (ولماذا)

  1. هل لدى الوزارة جدول زمني مكتوب وموقع من كل الأطراف لحلّ ملفات طلبة الطب والصيدلة والملفات النقابية؟
    لسبب: التواطؤ في الكلام من دون التزامات زمنية يُكرّس عدم الثقة.

  2. نطلب تقديم محاضر الحوار القطاعي ومذكرات النقاش مع النقابات — هل يمكن تزويد اللجنة بنسخ؟
    لسبب: الادعاء بتواصل مستمر لا يكفي؛ المحاضر تظهر ما إذا كان ثمة فعلاً مسار تفاوضي منظّم.

  3. ما هي خطة الوزارة لاقتطاعات السنوات الأكاديمية المهدّدة أو انقطاع التكوين العملي؟
    لسبب: الطلبة تأثروا عمليًا وقد تتكون أضرار تدوم لسنوات إن لم تُعالج فورًا.

  4. بخصوص مشروع القانون رقم 59.24 والنظام الأساسي لموظفي التعليم العالي: ما النقاط التي لا زالت عالقة ومتى سيُعرضان للتعديل؟
    لسبب: النقابات تطالب بضمانات وظيفية؛ الحلول التقنية تتطلب آليات تشاركية واضحة.

  5. هل هناك تقارير مالية/ميزانيات مفصّلة للبرامج التي تُعِدّونها لتحسين ظروف الطلبة (سكن، مواصلات، دعم مالي)؟
    لسبب: الربط بين المخصصات والنتائج يقطع الطريق أمام الشعارات العامة.

توصيات برلمانية وإجرائية لرفع فاعلية المساءلة

  1. طلب مستندات مسبقة قبل الجلسة: مطالبة رسمية بمحاضر الحوار والاتفاقات المبدئية وخطط العمل، لتجنب جلسة استعراضية.

  2. تخصيص جلسة استماع تفاعلية: لا تقتصر على مداخلة الوزير؛ بل استدعاء ممثلين من النقابات، ممثلين عن الطلبة، وخبراء أكاديميين ليقدموا شهادات ميدانية.

  3. تحديد آليات متابعة: اللجنة تصدر توصيات واضحة مع مواعيد نهائية للتحقق (follow-up) وإلزام الوزارة بتقارير مرحلية.

  4. اللجؤُ إلى آليات مستقلّة عند اللزوم: مثل تكليف مفتشية أو لجنة تقصي حقائق مستقلة في ملفات يشتبه فيها تقاعس إداري أو خلل تنظيمي.

  5. ضمان إعلامي شفاف: نشر محضر الجلسة الكامل ونسخ الوثائق الأساسية لتقليل الفجوة المعلوماتية أمام الرأي العام.

الخلاصة: جلسة المساءلة فرصة — فهل ستتحقق؟

حضور الوزير ميداوي أمام لجنة التعليم ليس مجرد حدث بروتوكولي؛ إنه فرصة مفصلية لقياس مدى التزام الحكومة بآليات المساءلة والشفافية وبناء ثقة فعلية مع الجامعات والطلبة. استعداده المبدئي إيجابي، لكن إثباتية هذا الموقف تقاس بتقديمه لوثائق والتزامات قابلة للقياس قبل أو خلال الجلسة. إن لم يقدم ذلك فسنكون أمام مناورة إعلامية أكثر منها مساءلة حقيقية — وما يليه من تذمر نيابي ونقابي قد يزيد من توتر الموسم الجامعي.