هل تتجه انتخابات 2026 نحو اصطفاف يساري جديد؟ نقاش مفتوح بين “التنسيق الانتخابي” وبناء قطب سياسي دائم

0
120

مع اقتراب الاستحقاقات التشريعية لسنة 2026، يعود الحديث داخل المشهد الحزبي المغربي عن إمكانية بلورة تقارب انتخابي وسياسي بين ثلاث مكونات يسارية هي حزب التقدم والاشتراكية، والحزب الاشتراكي الموحد، وفيدرالية اليسار الديمقراطي، في مسعى محتمل لتشكيل كتلة قادرة على تحسين تمثيليتها البرلمانية ومواجهة التحديات المرتبطة بتراجع الحضور الحزبي وضعف التعبئة الانتخابية.

هذا النقاش لا يُطرح بمعزل عن التحولات التي يعرفها الحقل السياسي، حيث تبدو فكرة التحالف بالنسبة إلى هذه المكونات ليست مجرد ترتيبات تقنية مرتبطة بتقاسم الدوائر أو تنسيق الترشيحات، بل مدخلاً لإعادة طرح سؤال الموقع السياسي لليسار في معادلة السلطة والمعارضة، وحدود مشاركته في الحكومات المقبلة، فضلاً عن قدرته على تقديم بديل برامجي متماسك في سياق اقتصادي واجتماعي متوتر.

مبادرة من التقدم والاشتراكية… واستحضار لمسار تاريخي

في هذا السياق، يبرز حزب التقدم والاشتراكية كأحد الأطراف الدافعة نحو فتح هذا المسار، مستنداً إلى خطاب يربط بين الحاضر وتاريخ طويل من الدعوات إلى وحدة اليسار. فالأمين العام للحزب، نبيل بنعبد الله، يؤكد في تصريحاته أن فكرة التقارب بين مكونات اليسار ليست طارئة، بل تمتد جذورها إلى مراحل سابقة حين كان الحزب يعتبر نفسه جزءاً من دينامية أوسع تهدف إلى تجميع القوى ذات المرجعية التقدمية.

ويستحضر الحزب في خطابه السياسي تجارب سابقة من محاولات التنسيق، سواء مع الاتحاد الوطني للقوات الشعبية في مراحل تاريخية مختلفة، أو مع الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية في محطات لاحقة، مع إقرار ضمني بأن تلك المسارات لم تفض دائماً إلى نتائج عملية مستدامة.

اليوم، تعيد القيادة الحزبية طرح ما تسميه “البديل الديمقراطي التقدمي”، في محاولة لصياغة أرضية سياسية وبرنامجية يمكن أن تتحول، في حال التوافق عليها، إلى برنامج انتخابي مشترك وربما قاعدة لتنسيق أوسع يمتد إلى ما بعد الانتخابات.

بين التحالف الانتخابي والتحالف السياسي: سؤال الاستمرارية

المقترح الحالي لا يقتصر على فكرة التنسيق الرمزي، بل يتضمن سيناريوهات عملية تشمل إمكانية تقديم مرشحين مشتركين في بعض الدوائر، وصياغة وثيقة سياسية موحدة تُعرض على الناخبين، مع ترك الباب مفتوحاً أمام أشكال مرنة من التعاون في حال تعذر الاتفاق الكامل.

غير أن هذا الطرح يواجه سؤالاً جوهرياً داخل الحزب الاشتراكي الموحد وفيدرالية اليسار الديمقراطي، يتعلق بطبيعة التحالف نفسه: هل هو تحالف انتخابي ظرفي ينتهي مع إعلان النتائج؟ أم مشروع سياسي استراتيجي يُلزم الأطراف المعنية بالاستمرار في التنسيق خلال الولاية البرلمانية كاملة؟

الأمين العام للحزب الاشتراكي الموحد، جمال العسري، يضع النقاش في هذا الإطار حين يؤكد أن أي مشروع مشترك ينبغي أن يستند إلى رؤية سياسية واضحة، قادرة على منافسة النفوذ المالي والسياسي في الانتخابات، لكنه في الوقت نفسه يربط المشاركة أو التحالف الحكومي بشروط سياسية صارمة، تعكس تحفظاً على الانخراط في تحالفات حكومية متعددة المكونات دون ضمانات إصلاحية واضحة.

هذا الموقف يكشف عن معادلة دقيقة داخل اليسار: الرغبة في توحيد الصفوف انتخابياً، مقابل الحذر من الذوبان داخل توازنات حكومية قد تُضعف الهوية السياسية لكل طرف.

فيدرالية اليسار… مقاربة تقوم على البرنامج قبل الحسابات الانتخابية

من جهتها، تؤكد فيدرالية اليسار الديمقراطي أن أي حديث عن تحالف لا ينبغي أن يُختزل في الحسابات الانتخابية، بل يجب أن ينطلق من بناء مشروع سياسي متكامل يعكس تصوراً اجتماعياً واضحاً حول العدالة الاجتماعية، والديمقراطية، ومحاربة الفساد، وتعزيز دولة القانون.

وتعتبر النائبة البرلمانية فاطمة التامني أن بناء “قطب يساري” حقيقي يتطلب التزاماً سياسياً متبادلاً يتجاوز اللحظة الانتخابية، ويؤسس لاستمرارية في العمل المشترك داخل البرلمان وخارجه، مشددة على أن نجاح أي مبادرة رهين بوضوح الرؤية وتحديد الأدوار والالتزامات بشكل مسبق.

وفي تقييمها للوضع الراهن، ترى الفيدرالية أن الانتخابات المقبلة قد تشكل فرصة لإعادة تموضع القوى اليسارية داخل المشهد السياسي، شريطة تقديم خطاب وبرنامج قادرين على استعادة ثقة فئات واسعة من المواطنين، خصوصاً الشباب الذين تُظهر المؤشرات ضعفاً متزايداً في مشاركتهم السياسية.

مسار مفتوح… ونتائج غير محسومة

إلى حدود اللحظة، ما تزال المشاورات بين هذه المكونات في مرحلة النقاش الأولي، مع تأكيد مختلف القيادات الحزبية أن لا اتفاق نهائياً قد تم التوصل إليه، رغم عقد لقاءات ثنائية وتبادل مقترحات حول صيغ محتملة للتنسيق.

المعادلة المطروحة أمام هذه الأحزاب تقوم على اختبار مدى قدرتها على تجاوز التباينات الفكرية والتنظيمية لصالح رؤية مشتركة، في ظل إدراك واضح بأن أي تحالف لا يستند إلى أرضية سياسية صلبة قد يتحول إلى ترتيبات انتخابية مؤقتة سرعان ما تتفكك بعد إعلان النتائج.

وفي المحصلة، تبدو انتخابات 2026 محطة حاسمة لإعادة طرح سؤال وحدة اليسار بالمغرب، ليس كشعار سياسي فقط، بل كاختبار عملي لقدرة هذه المكونات على تحويل النقاشات الجارية إلى إطار تنظيمي وبرنامجي قابل للتطبيق، سواء في إطار تنسيق انتخابي محدود أو في صيغة تحالف سياسي ممتد يتجاوز حدود الاقتراع.