هل فقد الأهلي السيطرة على جمهوره؟ سؤال محرج تطرحه كاف

0
64

في واقعة أعادت إلى الواجهة سؤال الانضباط والمسؤولية داخل الملاعب الإفريقية، وجدت الكونفدرالية الإفريقية لكرة القدم الاتحاد الإفريقي لكرة القدم نفسها مضطرة إلى الخروج عن صمتها وإدانة ما جرى في مباراة الأهلي المصري والجيش الملكي، برسم الجولة الأخيرة من دور مجموعات دوري أبطال إفريقيا، التي احتضنها ملعب القاهرة، في لقاء كان يفترض أن يختتم مرحلة المجموعات بروح رياضية لا بملف تأديبي مفتوح.

بلاغ “كاف” لم يكن مجرد بيان تقني عابر، بل حمل لغة شديدة الوضوح، تعكس حجم الإحراج الذي سببته هذه الأحداث للهيئة القارية. فقد تحدثت الكونفدرالية عن “وقائع غير مقبولة” تمس جوهر القيم التي يُفترض أن تقوم عليها المنافسة الإفريقية، مؤكدة أنها أحالت الملف مباشرة على لجنتها التأديبية المختصة، في إشارة صريحة إلى أن ما حدث تجاوز الخط الأحمر، ولم يعد قابلا للاحتواء إعلاميا فقط.

وراء هذه اللغة الدبلوماسية المشددة، تختبئ رسالة أخرى أكثر عمقا: أن كرة القدم الإفريقية لم تعد تحتمل تكرار سيناريوهات الفوضى الجماهيرية، خاصة عندما تصدر من مدرجات أندية كبرى لها وزنها الرمزي والإعلامي. فـ الأهلي ليس فريقا عاديا في المشهد القاري، كما أن الجيش الملكي يمثل بدوره مؤسسة رياضية لها تاريخها وانضباطها، ما يجعل الصدام بين الصورتين أكثر حساسية وتأثيرا.

المشهد الأكثر استفزازا تمثل في استهداف لاعبي الفريق المغربي بالقنينات والمقذوفات أثناء توجههم إلى مستودع الملابس بين الشوطين، في لحظة يفترض أن تكون محمية أمنيا ومنضبطة تنظيميا. إصابة اللاعب أحمد حمودان لم تكن مجرد حادث عرضي، بل تحولت إلى صورة رمزية لما يمكن أن تؤول إليه المباريات الإفريقية عندما يغيب الردع وتُترك المدرجات رهينة لانفعالات غير محسوبة.




الأخطر من الواقعة نفسها هو السياق الذي حدثت فيه. المباراة لم تكن حاسمة من الناحية الترتيبية، ولم تحمل رهانات مصيرية للفريقين، ما يعني أن العنف لم يكن وليد ضغط النتيجة، بل نتاج ثقافة متراكمة تعتبر الخصم “عدوا” لا “منافسا”. وهنا بالضبط تكمن الإشكالية البنيوية التي تحاول “كاف” منذ سنوات معالجتها دون نجاح كامل: كيف تُحوَّل الملاعب الإفريقية من فضاءات توتر وصراع رمزي إلى ساحات تنافس رياضي نظيف؟

تقارير أخرى تحدثت أيضا عن مضايقات طالت جماهير الجيش الملكي داخل الملعب، ما يعزز فرضية أن ما جرى لم يكن سلوكا فرديا معزولا، بل مناخا عاما من الاحتقان، سمح بتراكم الانتهاكات الصغيرة إلى أن انفجرت في شكل مشاهد عنف مرئية ومحرجة للمنظمين.

إحالة الملف على اللجنة التأديبية لا تعني فقط البحث عن “مذنبين” لمعاقبتهم، بل اختبارا حقيقيا لمصداقية الخطاب الإصلاحي الذي ترفعه الكونفدرالية منذ سنوات. فإما أن تكون العقوبات رادعة ومتوازنة، تعيد الاعتبار لمبدأ تكافؤ الفرص، أو تتحول القضية إلى حلقة أخرى في سلسلة قرارات شكلية لا تغيّر شيئا في سلوك المدرجات ولا في عقلية التسيير.

في العمق، ما حدث في القاهرة ليس مجرد حادث جماهيري، بل مؤشر على أزمة أعمق في إدارة الفرجة الرياضية داخل القارة: أزمة توازن بين الشغف والانضباط، بين الانتماء والانفلات، وبين صورة إفريقيا التي تريد “كاف” تصديرها عالميا، والواقع الذي يفرض نفسه في كل موسم كروي جديد. هنا يصبح السؤال الحقيقي ليس من سيُعاقَب، بل هل تملك كرة القدم الإفريقية الشجاعة الكافية لمعاقبة ذاتها قبل أن تفقد ما تبقى من مصداقيتها؟