بين السدل والقبض: ليس فقط اختلاف في وضع اليدين، بل اختلاف في قراءة الفقه الإسلامي لمسألة لم ترد صراحةً في النص النبوي كركن من أركان الصلاة، بل كاجتهاد ضمن سنن وهيئات اختلف فيها الفقهاء. فما الذي دفع وزارة الأوقاف إلى تحويل هذه الجزئية الفقهية إلى تعليم رسمي ملزم داخل المساجد؟ وهل يظل الأمر في حدود تأطير الأئمة، أم يمكن أن يُفهم مستقبلاً باعتباره توجهاً لفرض هيئة بعينها على عموم المصلين، بما قد يفتح باباً لحساسية مذهبية لا يحتاجها المجال الديني المغربي؟
هذا السؤال لم يأتِ من فراغ. على مدى أكثر من سنة من البحث في المدونات الفقهية، وروايات المذهب المالكي، وأقوال أهل الحديث، يتبيّن أن وضع اليدين في الصلاة — سدلًا أو قبضًا — لم يكن يوماً من شروط الصلاة المتفق عليها، ولا من أركانها الأربعة عشر عند المالكية، ولا من واجباتها التي تبطل الصلاة بتركها. بل ظل في دائرة “الهيئات” أو “السنن” التي وقع فيها الخلاف.
في “المدونة” المنسوبة إلى الإمام مالك، تَرِد رواية مشهورة مفادها أنه “لا يرى القبض في الفريضة، ويراه في النافلة”. وهي عبارة طال حولها النقاش: هل المقصود كراهة القبض مطلقاً في الفرض؟ أم أنه تركه لعمل أهل المدينة؟ أم أن المسألة من باب السعة؟ المؤكد أن الإمام مالك لم يجعل السدل ركناً ولا شرطاً، ولم يُبطل صلاة من قبض، كما لم يُكفّر مخالفاً في هيئة من هيئات القيام.
وفي المقابل، استند جمهور من الفقهاء إلى أحاديث عديدة في وضع اليد اليمنى على اليسرى في الصلاة، معتبرين ذلك من السنن الثابتة. وهنا يتجلى جوهر المسألة: لسنا أمام نص قطعي يُرتب صحة الصلاة أو بطلانها، بل أمام اختلاف فقهي معتبر داخل دائرة الاجتهاد.
من هذا المنطلق، يكتسب التوجيه الأخير لوزير الأوقاف والشؤون الإسلامية أحمد التوفيق دلالات تتجاوز مجرد “تنبيه إداري”. فالمراسلة التي شددت على الالتزام بالسدل، والخطبة الموحدة الصادرة عن المجلس العلمي الأعلى، وقراءة الحزب الراتب، ورفع الدعاء عقب الصلاة، تأتي في سياق تأكيد المرجعية المالكية كما تعتمدها الدولة المغربية.
لكن قراءة الأرقام المسجلة في جهة الدار البيضاء–سطات — حيث تصدرت “مخالفة القبض” القائمة بأكثر من ألف حالة — تكشف أن الوزارة لا تتعامل مع المسألة باعتبارها تفصيلاً عابراً، بل كعنوان على ضرورة “ضبط الانسجام المذهبي” داخل المساجد. وهنا ينتقل النقاش من الفقه إلى تدبير الحقل الديني.
الوزارة، من زاويتها، ترى في توحيد الهيئة حمايةً لوحدة الجماعة ومنعاً لأي تشويش مذهبي أو تسلل لمرجعيات أخرى. غير أن السؤال الذي يفرض نفسه بهدوء: هل يبقى هذا الإلزام محصوراً في تأطير الأئمة باعتبارهم موظفين دينيين يخضعون لدليل تنظيمي، أم يمكن أن يتحول — بفعل الضغط الاجتماعي أو الفهم المتشدد — إلى معيار يُنتظر من ملايين المصلين التقيد به حرفياً؟
الخيط الرفيع هنا هو الفرق بين “تأطير المرفق الديني” و”تقييد المجال الفقهي العام”. فالمذهب المالكي، في جوهره التاريخي، قام على مراعاة العمل والعرف والمصلحة، واحتضن داخل مدونته اختلافات معتبرة. بل إن قاعدة “لا إنكار في مسائل الخلاف” كانت دائماً صمام أمان ضد التعصب.
إن تحويل هيئة فقهية مختلف فيها إلى عنوان للانضباط قد يخدم هدف الوحدة الظاهر، لكنه يحتاج إلى حساسية عالية في الخطاب، حتى لا يُفهم باعتباره تضييقاً على سعةٍ أقرها الفقه نفسه. فالصلاة التي صحت أركانها وشروطها لا تبطل بسدل أو قبض، كما أن وحدة الصف لا تُبنى فقط على تطابق الهيئات، بل على طمأنينة القلوب.
في النهاية، المسألة أعمق من وضع يد على أخرى. إنها سؤال حول كيفية إدارة الاختلاف داخل الثوابت: هل يكون بالضبط الصارم لكل جزئية، أم بترسيخ ثقافة فقهية تُدرك أن التنوع داخل الإطار الواحد ليس تهديداً، بل جزءاً من تاريخ هذا الإطار ذاته؟