ليس كل ترشيح داخل الأحزاب السياسية مجرد إجراء تنظيمي عادي. وأحيانًا لا تكون الأسماء هي جوهر النقاش، بل ما ترمز إليه لحظة ظهورها، والسياق الذي تعود فيه إلى الواجهة.
عودة اسم محمد أوجار إلى التداول، في سياق الحديث عن رئاسة حزب التجمع الوطني للأحرار، لا يمكن قراءتها كخبر عابر أو كطموح شخصي معزول، بل كإشارة سياسية تُعيد فتح نقاش ظل مؤجّلًا داخل الحزب:
نقاش منطق التوافق، وحدود الطموح الفردي، وتوازنات ما بعد مرحلة عزيز أخنوش.
فهل نحن أمام ترشيح عادي داخل حزب يُفترض أنه ديمقراطي؟
أم أمام خطوة محسوبة تُربك قواعد اشتغل بها الحزب لسنوات؟
ولماذا يعود اسم محمد أوجار إلى الواجهة الآن، بهذه الكيفية، بعد أن كان قد صرّح في وقت سابق بعدم رغبته في الترشح؟
أسئلة لا تُطرح من باب التشكيك أو الاتهام، بل من باب الفهم، خاصة حين يبدأ الخطاب الإعلامي في التقاطع حول الموضوع نفسه، من أكثر من زاوية.
من المقال إلى التدوينة: حين يخرج النقاش إلى العلن
ما نُشر سابقًا في مقالنا لم يكن قراءة معزولة، ولا اجتهادًا مبنيًا على إشاعة عابرة، بل تحليلًا استند إلى مؤشرات سياسية وإعلامية بدأت تتقاطع بشكل لافت داخل المجال العام.
واليوم، تأتي تدوينة متداولة على مواقع التواصل الاجتماعي، منسوبة لعبد الإله القوزي، لتؤكد أن الحديث عن ترشيح محمد أوجار لم يعد مجرّد همس سياسي، بل خطابًا متداولًا داخل الحقل الإعلامي، وإن اختلفت زوايا تناوله.

التدوينة تتحدث صراحة عن:
-
ترشيح يُقدَّم دون توافق مسبق،
-
تشبث بالقرار رغم الاعتراضات،
-
واحتمال خلق مساحات توتر داخل الحزب.
وهي عناصر سبق أن توقف عندها مقالنا، وإن بلغة تحليلية هادئة، بعيدة عن الإثارة أو التهويل.
هنا، لا يتعلق الأمر بمن سبق من، بل بما تعنيه تقاطعات الخطاب: حين تتشابه القراءات، يصبح النقاش سياسيًا لا شخصيًا.
أوجار… بين تصريح الأمس وخيار اليوم
أحد أكثر عناصر هذا النقاش إثارة للاهتمام هو استحضار تصريحات سابقة لمحمد أوجار، أكد فيها عدم رغبته في الترشح لمرحلة ما بعد عزيز أخنوش.
هذا المعطى لا يُستعمل هنا للتجريح، ولا للتشكيك في النيات، بل لطرح سؤال سياسي مشروع: هل تغيّرت المعطيات داخل الحزب؟ أم أن السياق التنظيمي والسياسي فرض إعادة قراءة للمواقف السابقة؟
في السياسة، مراجعة المواقف ليست خطيئة، لكن غياب الشرح يفتح الباب أمام التأويل، خصوصًا داخل حزب بنى جزءًا من قوته على صورة الانسجام الداخلي والانضباط التنظيمي.
ثم إن محمد أوجار ليس اسمًا عابرًا داخل الحزب، بل أحد الوجوه التي راكمت حضورًا حكوميًا وتنظيميًا، ما يجعل أي خطوة له محمّلة بدلالات تتجاوز الشخص إلى البنية.
حزب التوافق… أمام اختبار داخلي صامت
خلال السنوات الأخيرة، قدّم حزب التجمع الوطني للأحرار نفسه كحزب:
-
يشتغل بمنطق الفريق،
-
يفضّل التوافق على الصدام،
-
ويدير لحظات الانتقال بحذر وصمت.
من هذا المنطلق، فإن أي ترشيح خارج هذا الإطار—سواء كان من محمد أوجار أو غيره—يطرح سؤالًا جوهريًا: هل الحزب بصدد الانتقال من مرحلة “التوافق المضمون” إلى مرحلة التنافس المفتوح؟
وإن كان الأمر كذلك، فهل بنيته التنظيمية، وثقافته الداخلية، مستعدتان لتحمّل كلفة هذا التحول؟ تحول لا يكون تقنيًا فقط، بل ثقافيًا وسياسيًا في آن واحد.
خلاصة: لسنا أمام إشاعة… بل أمام لحظة اختبار
ما بين مقال تحليلي نُشر أمس، وتدوينة متداولة اليوم، يتضح أن الموضوع لم يعد مجرد تكهن إعلامي، بل نقاشًا يتشكّل داخل الفضاء العمومي حول مستقبل القيادة داخل حزب التجمع الوطني للأحرار.
نقاش لا يُدين ولا يُزكّي، بقدر ما يطرح الأسئلة الضرورية في لحظة سياسية دقيقة، حيث لا تُقاس الأمور بالنيات، بل بالإشارات.
والأكيد أن الأيام المقبلة وحدها كفيلة بتوضيح ما إذا كان ترشيح محمد أوجار:
-
خطوة معزولة،
-
أم بداية تحوّل أعمق داخل حزب اعتاد إدارة اختلافاته بصمت… وقد يجد نفسه اليوم خارج منطقة الراحة.


