هل يستطيع المغرب حماية المواطنين من صدمات النفط العالمية؟

0
152

تعيش سوق الطاقة العالمية حالة ترقب غير مسبوقة في ظل التصعيد العسكري في الشرق الأوسط، وهو ترقب ينعكس بشكل مباشر على توقعات أسعار المحروقات في دول تعتمد على الاستيراد الطاقي، وفي مقدمتها المغرب. فكل تطور في المنطقة الممتدة من الخليج إلى البحر الأحمر بات قادرا على إحداث ارتدادات اقتصادية تتجاوز حدود الجغرافيا، لتصل بسرعة إلى محطات الوقود في الرباط والدار البيضاء كما تصل إلى الأسواق العالمية في لندن ونيويورك. وفي هذا السياق، تتجه الأنظار إلى التحيين المرتقب لأسعار المحروقات بالمغرب، وسط مخاوف من موجة ارتفاع جديدة مرتبطة بالتوترات الجيوسياسية واحتمالات اضطراب الإمدادات النفطية العالمية.

السبب الرئيسي لهذه المخاوف يرتبط بالموقع الحساس لـ مضيق هرمز، أحد أهم الشرايين الحيوية لنقل الطاقة في العالم. فالمضيق يمر عبره يومياً نحو 20 مليون برميل من النفط، أي ما يقارب خمس الاستهلاك العالمي، إضافة إلى كميات ضخمة من الغاز الطبيعي المسال، ما يجعل أي اضطراب فيه كفيلاً بإحداث صدمة فورية في الأسواق الدولية للطاقة.

وفي ظل الحرب الجارية بين الولايات المتحدة وإيران وما يرافقها من تهديدات بإغلاق هذا الممر الاستراتيجي، بدأت الأسواق النفطية بالفعل في تسعير المخاطر. فمجرد تصاعد التوترات العسكرية في المنطقة كان كافياً لدفع أسعار النفط إلى الارتفاع، إذ سجلت العقود الآجلة لخام برنت قفزة تجاوزت 5% فور الإعلان عن ضربات عسكرية في المنطقة، نتيجة ما يعرف في الاقتصاد الطاقي بـ”علاوة المخاطر الجيوسياسية”.

بالنسبة للمغرب، فإن المسألة تتجاوز مجرد تقلبات ظرفية في السوق العالمية، لتكشف مرة أخرى عن هشاشة المنظومة الطاقية الوطنية. فالمملكة تعتمد بشكل كبير على استيراد حاجياتها من النفط والغاز من الأسواق الدولية، وهو ما يجعلها عرضة مباشرة لأي اضطراب في سلاسل الإمداد أو ارتفاع في الأسعار العالمية. وفي هذا السياق، يرى خبراء الطاقة أن المغرب سيكون من الصعب أن يبقى بمنأى عن تداعيات أي اضطراب في الملاحة عبر مضيق هرمز، حتى في ظل توفر مخزون استراتيجي يغطي فترة محدودة.

الخبير الطاقي عبد الصمد ملاوي يشير إلى أن المغرب يتوفر بالفعل على احتياطي استراتيجي يمكن أن يغطي ما بين شهرين وثلاثة أشهر من الاستهلاك، إضافة إلى عقود شراء آجلة تم توقيعها بأسعار سابقة. غير أن هذه الضمانات لا تلغي التأثيرات النفسية للسوق، إذ إن مجرد توقع حدوث اضطراب في الإمدادات قد يؤدي إلى ارتفاع سريع في الأسعار، سواء على المستوى العالمي أو في السوق الوطنية. فأسواق الطاقة لا تتحرك فقط وفق العرض والطلب، بل أيضاً وفق توقعات المستثمرين والمضاربين.

وتشير عدة سيناريوهات اقتصادية إلى أنه في حال استمر التصعيد العسكري لفترة طويلة، قد يصل سعر برميل النفط إلى حدود 100 دولار أو يتجاوزها، مع احتمال بلوغه مستويات أعلى في حال تعطل الإمدادات بشكل فعلي. بعض التقديرات تشير إلى أن إغلاق مضيق هرمز يمكن أن يدفع الأسعار إلى الارتفاع الفوري بما بين 10 و20 دولاراً للبرميل خلال الأيام الأولى فقط، نتيجة الذعر في الأسواق ونقص الإمدادات.

لكن خلف هذا النقاش الاقتصادي المباشر، تبرز أسئلة أعمق تتعلق بالخيارات الاستراتيجية للمغرب في مجال الطاقة. فالأزمة الحالية تعيد طرح سؤال قديم يتجدد مع كل صدمة نفطية: إلى أي حد يمكن لاقتصاد يعتمد بشكل شبه كامل على الطاقة المستوردة أن يحمي نفسه من التقلبات الجيوسياسية العالمية؟

هذا السؤال يكتسب أهمية أكبر إذا أخذنا بعين الاعتبار أن المغرب يستورد جزءاً من حاجياته من الغاز عبر البنية التحتية الأوروبية، بما في ذلك الاعتماد على المحطات الإسبانية لإعادة تحويل الغاز المسال. وهو ما يعني أن أي اضطراب في إمدادات الغاز القادمة من الخليج قد ينعكس بشكل غير مباشر أيضاً على السوق المغربية.

ومن هنا تبرز أهمية المشاريع الطاقية التي يراهن عليها المغرب في السنوات المقبلة، وعلى رأسها مشاريع الطاقات المتجددة وتطوير البنية التحتية لتخزين الغاز. ففي هذا الإطار يظل مشروع المحطة الغازية الضخمة المرتقبة في الناظور أحد المشاريع الاستراتيجية التي يعول عليها لتقوية الأمن الطاقي الوطني، خصوصاً مع توقع دخولها الخدمة في أفق سنة 2026.

غير أن البعد الاجتماعي للأزمة يظل الأكثر حساسية. فالمحروقات لا تمثل مجرد سلعة استهلاكية، بل تشكل العمود الفقري لكلفة النقل والإنتاج والتوزيع داخل الاقتصاد. ولذلك فإن أي ارتفاع في أسعار الغازوال أو البنزين سرعان ما ينتقل إلى أسعار المواد الغذائية والخدمات، ليؤثر مباشرة على القدرة الشرائية للمواطنين.

في هذا السياق، يحذر علي شتور، رئيس الجمعية المغربية للدفاع عن حقوق المستهلك، من أن الاقتصاد المغربي لم يتعافَ بالكامل بعد من تداعيات الأزمات المتلاحقة التي بدأت مع جائحة كورونا. فارتفاع أسعار الطاقة خلال السنوات الماضية ترك بالفعل آثاراً واضحة على القدرة الشرائية للأسر المغربية، وهو ما يجعل أي موجة ارتفاع جديدة أكثر إيلاماً من سابقاتها.

ويشدد شتور على أن الحكومة مطالبة اليوم بالتعامل مع هذا الملف بحذر شديد، ليس فقط عبر مراقبة الأسعار، بل أيضاً من خلال تشديد الرقابة على المضاربات المحتملة في سوق المحروقات. فالأزمات الدولية غالباً ما تتحول في بعض الأحيان إلى فرصة لبعض الفاعلين الاقتصاديين لتحقيق أرباح استثنائية على حساب المستهلكين.

في النهاية، لا يتعلق النقاش الدائر حول أسعار المحروقات في المغرب بمجرد تحديث دوري للأسعار، بل يعكس معادلة أكثر تعقيداً تجمع بين الجغرافيا السياسية والطاقة والاقتصاد الاجتماعي. فكل صاروخ يسقط في الشرق الأوسط قد يجد صداه بعد أيام في فاتورة الوقود التي يدفعها المواطن المغربي، في تذكير دائم بأن أمن الطاقة لم يعد قضية تقنية فحسب، بل أصبح جزءاً من معادلة السيادة الاقتصادية للدول.