« وادي المخازن: حين تكشف الأمطار هشاشة منظومة الدولة »

0
150

في لحظات الكوارث، لا يكون الخطر الحقيقي في المياه وحدها، بل في طريقة تعامل الدولة مع الماء بوصفه “نظاما استراتيجيا” لا مجرد منشأة تقنية. فأن يُقال للرأي العام إن “سد وادي المخازن سليم” لا يكفي لطمأنة مدينة بأكملها تُجبر على الإخلاء، ولا يجيب عن السؤال الجوهري: هل نحن أمام تدبير عقلاني للأمن المائي، أم أمام إدارة ارتجالية تُخفي هشاشة منظومة كاملة خلف بلاغات تقنية؟

القضية، في عمقها، لم تعد مرتبطة بسد واحد أو بحوض مائي معزول، بل بمنظومة وطنية ضخمة تحركها مشاريع الربط بين الأحواض، ومحطات تحلية بمليارات الدراهم، وخيارات استثمارية تتقاطع فيها التقنية بالسياسة والاقتصاد. حين يُهجَّر أكثر من مئة ألف مواطن من بيوتهم، فإن ذلك يتحول من حادث طبيعي إلى حدث سياسي بامتياز، يفتح الباب على سؤال مزدوج: هل نبني فعلا “دولة الماء” أم نعيد إنتاج اقتصاد الصفقات تحت غطاء الأمن المائي؟

في هذا السياق، بدا التوضيح الأول لوزارة الداخلية حول وضعية سد وادي المخازن وكأنه يضيف طبقة جديدة من الغموض بدل أن يبدد القلق. فالوزارة حذرت من واردات مائية استثنائية وارتفاع قياسي في حقينة السد، بما قد يشكل ضغطا كبيرا على منشآته، في حين أكدت وزارة التجهيز والماء، في رواية موازية، عدم تسجيل أي اختلالات أو أعراض غير اعتيادية، رغم تجاوز السد سعته الاعتيادية منذ بداية يناير. وبين خطاب تحذيري وخطاب تطميني، ظل المواطن عالقا في منطقة رمادية: أي الروايتين تعكس الواقع؟




الخبراء أنفسهم انقسموا في قراءة المشهد. مصطفى بنرامل، الخبير المائي والبيئي، يرى أن البنية التحتية للسدود في المغرب ما تزال “مستقرة وجيدة” من حيث السلامة التقنية، غير أن الإشكال الحقيقي يكمن في حجم التساقطات المطرية وحمولة الأودية والروافد، التي تجاوزت قدرة المنظومة على الاستيعاب. فامتلاء الشعاب والجريان السريع للأودية فرض، بحسبه، اعتماد التفريغ التدريجي كخيار وقائي لتفادي انفجار الوضع. غير أن هذا الخيار، في حد ذاته، ليس بلا كلفة، لأنه ينقل الخطر من أعلى السد إلى المدن الواقعة أسفله.

بنرامل يحذر أيضا من أن ما يجري في وادي المخازن ليس استثناء، بل جزء من وضع عام يشمل أقاليم الغرب واللوكوس والحوز وتارودانت، إضافة إلى أحواض تانسيفت وأم الربيع وملوية، حيث تجاوزت أكثر من 22 سدا نسبة امتلاء 95 في المئة. وهو ما يعني أننا أمام ضغط وطني شامل على منظومة مائية لم تُصمم أصلا لاستيعاب هذا النوع من السيناريوهات المناخية القصوى.

في المقابل، يميل مصطفى العيسات، الخبير في السياسات المائية، إلى اعتبار رواية وزارة الداخلية الأقرب إلى الواقع، مؤكدا أن سد وادي المخازن بلغ فعلا أقصى طاقته، وأن التفريغ الجزئي الذي قد يصل إلى مليار و200 مليون متر مكعب بات ضرورة تقنية لتجنب الأسوأ. خطورة الوضع، بحسبه، لا تكمن فقط في السد، بل في تزامن التفريغ مع ارتفاع حمولة وادي اللوكوس، ما يجعل مدنا مثل القصر الكبير في قلب منطقة تهديد حقيقي.

العيسات يثمن منطق “التدخل الاستباقي” الذي اعتمدته السلطات، ويكشف عن وجود لجنة يقظة تضم الداخلية والتجهيز والجيش والدرك ومصالح الأرصاد الجوية، تراقب بشكل مستمر مستويات المياه وحمولة الروافد. غير أن هذا الإطار التقني، مهما بلغت كفاءته، لا يعفي الدولة من سؤال السياسة: لماذا يغيب الخطاب الحكومي العلني في لحظة بهذه الخطورة؟ ولماذا يختبئ الفاعلون السياسيون خلف بلاغات تقنية بدل الظهور لتحمل المسؤولية أمام الرأي العام؟

هنا يتحول سد وادي المخازن من ملف هندسي إلى مرآة تعكس أزمة أعمق: أزمة الشفافية والثقة. فالمواطن لا يطلب معجزة، بل يطلب حقه في المعلومة، في تفسير القرارات، وفي معرفة من يقرر ومتى ولماذا. وحين يرى رئيس حكومة يدافع في البرلمان عن صفقات تحلية المياه المرتبطة بشركته، بينما يلوذ بالصمت بخصوص قنوات الربط بين الأحواض ومخاطرها الاجتماعية والبيئية، فإن الشك يصبح جزءا من المعادلة.

الدرس الأهم في هذه اللحظة ليس تقنيا فقط، بل سياسي وأخلاقي: الأمن المائي لا يُدار بالبلاغات، ولا يُختزل في لغة الخبراء، بل يُبنى بثقة المواطنين في مؤسساتهم. وما دام أكثر من مئة ألف شخص يغادرون بيوتهم تحت ضغط “خطر محتمل”، فإن السؤال سيظل معلقا: هل نحن أمام دولة تستبق الكوارث بعقل استراتيجي، أم أمام منظومة تكتشف هشاشتها كلما فاض واد أو امتلأ سد؟