واقع التدريس بالمغرب.. إمكانيات بشرية مقابل موارد محدودة وتكوين ناقص

0
117

ليس ما تكشفه دراسة TALIS 2024 مجرد معطيات رقمية، بل قراءة عميقة في بنية التدريس بالمغرب، حيث تتجاور الإرادة المهنية مع حدود النظام التربوي. فخلف الأرقام التي قُدمت في الرباط، تتشكل ملامح منظومة تعليمية تعيش توتراً صامتاً بين طموح الإصلاح وواقع الممارسة اليومية داخل الفصول الدراسية.

تُبرز نتائج الدراسة، المنجزة بشراكة بين المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي و**منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية**، أن هيئة التدريس في المغرب تتميز ببنية شابة نسبياً، حيث لا يتجاوز متوسط العمر 40 سنة، مع حضور نسائي وازن في التعليم الابتدائي. غير أن هذا المعطى، الذي قد يُفهم كرافعة للتجديد، يصطدم مباشرة بطبيعة الأقسام الدراسية التي أصبحت أكثر تعقيداً، نتيجة تزايد التفاوتات اللغوية والاجتماعية والسلوكية بين التلاميذ. داخل هذا السياق، يجد الأستاذ نفسه أمام مهمة مزدوجة: التدريس والتكيّف المستمر مع واقع غير مستقر.

ورغم هذه التحديات، تكشف الدراسة عن مستوى عالٍ من الالتزام المهني، حيث يساهم أكثر من أربعة أساتذة من أصل خمسة في تنمية الجوانب الاجتماعية والعاطفية للمتعلمين. وهو مؤشر على تحوّل ضمني في وظيفة المدرس، من ناقل للمعرفة إلى فاعل تربوي شامل. غير أن هذا التحول لا يواكبه دائماً تأهيل كافٍ، ما يفتح فجوة بين الأدوار الجديدة والوسائل المتاحة.

في المقابل، تبرز إحدى أهم المفارقات في محدودية إدماج التكنولوجيا، خاصة الذكاء الاصطناعي، في الممارسة التعليمية. إذ لا تتجاوز نسب استخدامه لدى الأساتذة المغاربة ربع الهيئة التدريسية تقريباً، وهو ما يظل دون المعدلات المسجلة في دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية. هذا التأخر لا يعكس فقط نقص التكوين الرقمي، بل يكشف عن بطء تكيّف المنظومة مع التحولات العالمية في مجال التعليم، حيث أصبحت الأدوات الرقمية جزءاً لا يتجزأ من العملية البيداغوجية.

أما على مستوى التأهيل الأكاديمي، فتؤكد المعطيات استمرار هيمنة شهادة الإجازة، مقابل حضور محدود لشهادات الماستر مقارنة بالمعايير الدولية. وهو ما يعيد طرح سؤال جودة التكوين الأساس، ومدى قدرته على إعداد مدرسين قادرين على التعامل مع تعقيدات الفصول الدراسية الحديثة. فالتدريس لم يعد مجرد نقل للمحتوى، بل يتطلب كفايات تحليلية وتربوية متقدمة، لا يوفرها التكوين التقليدي بشكل كافٍ.

الأكثر دلالة في نتائج الدراسة هو ما يتعلق بالاستقلالية البيداغوجية، حيث يظهر أن هامش المبادرة لدى المدرس المغربي لا يزال محدوداً. فعدد مهم من الأساتذة لا يمتلكون حرية كافية لتكييف المناهج أو تحديد أهداف التعلم وفق خصوصية أقسامهم. هنا، لا يتعلق الأمر فقط بإكراهات تنظيمية، بل بنموذج تدبير يحد من دور المدرس كفاعل أساسي في العملية التعليمية، ويضعه في موقع المنفذ بدل الشريك في صناعة القرار التربوي.

ومع ذلك، تكشف الدراسة عن جانب آخر أكثر إيجابية، يتمثل في جودة العلاقة بين المدرسين والتلاميذ. إذ يصرح أغلب الأساتذة بوجود تواصل جيد واهتمام بالجوانب النفسية للتلاميذ، كما يشعر عدد كبير منهم بتقدير المتعلمين لعملهم. غير أن هذا التوازن الإنساني لا ينعكس بالضرورة على مستوى الرضا المادي، حيث يسجل الأساتذة أدنى مستويات الرضا فيما يتعلق بالأجور، ما يطرح إشكالية التحفيز والاستقرار المهني.

في العمق، تشير خلاصات الدراسة إلى أن التكوين المستمر لا يزال غير ملائم بشكل كافٍ لتنوع السياقات التعليمية، وأنه يركز غالباً على المضامين التقليدية دون تطوير حقيقي للكفايات. هذا القصور، إلى جانب ضعف آليات المواكبة، يساهم في ارتفاع مستويات الإرهاق المهني، ويدفع بعض الأساتذة، خاصة ذوي الخبرة، إلى التفكير في مغادرة المهنة. وهو ما يحول ظاهرة “الاحتراق المهني” إلى مؤشر مقلق على هشاشة التوازن داخل المنظومة.

في هذا الإطار، أكدت رحمة بورقية أن الانخراط في دراسة TALIS يهدف إلى تعميق المعرفة بواقع هيئة التدريس، وإدماج صوت المدرسين في فهم تحديات المنظومة. غير أن الرهان الحقيقي لا يكمن فقط في إنتاج المعرفة، بل في تحويلها إلى سياسات عمومية قادرة على إحداث الأثر المطلوب.

في المحصلة، تكشف هذه الدراسة عن مفارقة مركزية في التعليم بالمغرب: مدرسون ملتزمون يشتغلون داخل منظومة لا تمنحهم دائماً الشروط الكافية للإبداع والتأثير. وبين خطاب الإصلاح وواقع التنفيذ، يبقى السؤال معلقاً: هل يمكن لأي تحول حقيقي أن يتحقق دون إعادة الاعتبار للمدرس، ليس فقط كمنفذ، بل كفاعل استراتيجي في قلب كل إصلاح؟