وزارة التربية الوطنية وبرنامج “المدارس الصيفية”: بين مقاربة الحد من الهدر المدرسي وأسئلة الفعالية الاستراتيجية

0
97

في إطار مساعيها المعلنة لمواجهة ظاهرة الهدر المدرسي، باشرت وزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة تحضيرات لتنظيم مدارس ومخيمات صيفية خلال شهر يوليوز المقبل، مستهدفة التلاميذ المهددين بالانقطاع عن الدراسة، ضمن مقاربة تعتبرها الوزارة آلية استعجالية لاحتواء الانسحابات المبكرة وإعادة إدماج أكبر عدد ممكن من المتعلمين مع انطلاق الموسم الدراسي 2026. البرنامج، الذي يستند إلى معطيات نظام “مسار”، يطمح إلى استهداف نحو 80 في المئة من التلاميذ المصنفين ضمن فئة المهددين بالانقطاع، إضافة إلى 20 في المئة من التلاميذ في مراحل الانتقال بين الأسلاك التعليمية، مع تركيز خاص على المنحدرين من أسر تعيش أوضاعا اجتماعية هشة.

هذا التوجه يقوم على مزيج بين الدعم التربوي والأنشطة الترفيهية، عبر حصص تقوية في مادتي اللغة الفرنسية والرياضيات، إلى جانب أنشطة فنية وثقافية ورياضية، بهدف تعزيز الاندماج النفسي والاجتماعي وتحفيز التلاميذ على الاستمرار في مسارهم الدراسي. كما سيتم توجيه الأنشطة إلى المؤسسات التعليمية التي تسجل نسبا مرتفعة من الانقطاع، خصوصا في التعليم الثانوي الإعدادي، فضلا عن التلاميذ الذين ينتقلون من الابتدائي إلى الإعدادي في المناطق التي تعرف معدلات عدم التحاق مرتفعة.

غير أن قراءة تحليلية أعمق لهذه المبادرة تطرح تساؤلات حول طبيعة المقاربة المعتمدة ومدى قدرتها على معالجة جذور الظاهرة، لا الاكتفاء بالتخفيف من آثارها. فالهدر المدرسي في المغرب يرتبط بعوامل بنيوية متعددة، منها الفقر، وضعف البنيات التحتية، واختلالات في الجودة التعليمية، إضافة إلى محدودية جاذبية المدرسة لدى فئات واسعة من الشباب. وبالتالي فإن تنظيم برامج صيفية، رغم أهميتها كآلية دعم مؤقتة، قد يظل إجراءً ترقيعياً إذا لم يترافق مع إصلاحات هيكلية تعالج أسباب الانقطاع من منبعها.

في هذا السياق، يبرز النقاش حول دور الأنشطة الرياضية ضمن هذه البرامج. فبينما يتم إدراج الرياضة كعنصر داعم في التأطير الصيفي، يذهب بعض الفاعلين إلى الدعوة لتطوير رؤية أوسع تجعل من الرياضة، بمختلف أنواعها، أداة استراتيجية لاحتضان الشباب وإعادة إدماجهم اجتماعيا. ويُستحضر هنا نموذج دول مثل البرازيل التي راهنت على رياضات القتال والفنون الحركية كمسار لاحتواء شباب الأحياء الهشة وفتح آفاق مهنية وتنظيمية أمامهم. غير أن استنساخ التجارب الدولية يتطلب تكييفها مع الخصوصيات الوطنية، وربطها بسياسات عمومية واضحة تمكّن من تحويل الرياضة إلى قطاع منتج للقيمة وفرص الشغل، لا مجرد نشاط ترفيهي موسمي.

وتشير آليات التنفيذ إلى اعتماد خلايا اليقظة التربوية لتحديد الفئات المستهدفة، وتنظيم لقاءات تواصلية مع الأسر، إضافة إلى جلسات تحفيزية موجهة للتلاميذ لتعزيز دافعيتهم. كما يتم العمل على تحديد المؤسسات المحتضنة للأنشطة، واختيار الأطر الإدارية والتربوية وأطر التنشيط، مع توفير تكوين خاص لهم، إلى جانب إبرام شراكات لضمان النقل والإيواء والتنشيط. هذه التدابير تعكس محاولة لإحكام التنظيم وضمان حد أدنى من الاستمرارية.

غير أن التحدي الحقيقي يكمن في قياس الأثر الفعلي لهذه البرامج عبر مؤشرات دقيقة لا تقتصر على عدد المستفيدين أو نسبة المواظبة خلال الصيف، بل تمتد إلى تتبع نسب العودة الفعلية إلى الفصول الدراسية وتحسن النتائج على المدى المتوسط. فبدون منظومة تقييم صارمة وشفافة، قد تتحول المبادرات إلى إجراءات سنوية متكررة دون أثر بنيوي ملموس.

وعليه، فإن النقاش لا يقتصر على تقييم برنامج صيفي في حد ذاته، بل يفتح سؤالا أوسع حول رؤية السياسات العمومية للتعليم والشباب: هل يتم الاكتفاء بآليات احتوائية ظرفية، أم يتم الانتقال إلى مقاربة شاملة تدمج التعليم بالرياضة والثقافة والتنمية المحلية في مشروع متكامل لبناء رأس مال بشري قادر على تقليص الهشاشة الاجتماعية؟ إن الإجابة عن هذا السؤال ستحدد في النهاية مدى قدرة هذه البرامج على التحول من مبادرات موسمية إلى رافعة حقيقية للإصلاح التربوي والاجتماعي.