وزراء داخلية أوروبا بين مطرقة اليمين المتطرف وسندان القانون الدولي: المغرب والجزائر في قلب خارطة “الترحيل نحو دول آمنة”

0
306

في بروكسل، حيث تُصنع السياسات الأوروبية الكبرى، ينعقد اليوم اجتماع استثنائي لوزراء داخلية دول الاتحاد الأوروبي. اجتماع قد يبدو في ظاهره تقنيًا وإجرائيًا، لكنه في العمق يكشف التحول الأعمق في العقل السياسي الأوروبي تجاه الهجرة غير النظامية. التحول ليس في التفاصيل فحسب، بل في الفلسفة المؤطرة للملف برمّته، وقد وجدت دول مثل المغرب والجزائر ومصر وموريتانيا والسنغال نفسها في عين العاصفة، باعتبارها “دولًا آمنة” مرشّحة لاستقبال مهاجرين رُفِضت طلبات لجوئهم… حتى وإن لم تكن أوطانهم الأصلية.

هذه الفكرة وحدها كافية لإعادة فتح النقاش حول معنى “الأمن”، وحدود “السيادة”، ودور الجوار الجغرافي في معادلة لا يريد أحد في أوروبا الاعتراف بأنه فشل في إدارتها.

مقترحات أوروبية خارجة عن المألوف: حين تتحول الهجرة إلى ملف ترحيل خارجي

وزراء الداخلية يناقشون ثلاث نصوص جديدة دفعت بها المفوضية الأوروبية هذا العام. نصوص تُقدّم على أنها “إصلاح”، لكنها في الجوهر إعادة صياغة كاملة لسياسة اللجوء والهجرة. أبرزها:

  • إنشاء مراكز عودة خارج حدود الاتحاد الأوروبي، تستقبل من رُفضت طلباتهم.

  • تشديد الاحتجاز ورفع العقوبات على من لا يغادر الأراضي الأوروبية بعد الرفض.

  • ترحيل المهاجرين إلى دول غير بلدانهم الأصلية طالما تُصنّف “آمنة”.

في هذه اللحظة تحديدًا، يتحول المفهوم التقليدي للجوء السياسي — المنصوص عليه في اتفاقية جنيف — إلى مادة قابلة لإعادة التفاوض، أو بالأحرى لإعادة التدوير في قوالب سياسية جديدة تخضع لمنطق الحسابات الانتخابية.

اليمين المتطرف في أوروبا يضغط. التيارات الشعبوية تنتعش. الحكومات تخشى صناديق الاقتراع أكثر مما تخشى تقارير المنظمات الحقوقية. وهكذا، تتحول القرارات الكبرى إلى محاولة “امتلاك خطاب السيطرة”، كما قال المفوض الأوروبي ماغنوس برونر حين صرّح بأن الهدف هو “طمأنة المواطن الأوروبي بأن الأمور تحت السيطرة”.

لكن، أي سيطرة؟ وعلى حساب من؟

المغرب والجزائر… من دول عبور إلى دول استقبال قسري؟

المفوضية الأوروبية ذكرت، قبل أشهر، في رسالة رسمية، أسماء دول ترى فيها “شركاء محتملين” في تنفيذ نموذج “المراكز الخارجية”. المغرب والجزائر ومصر وموريتانيا والسنغال كانت في مقدمة القائمة.

هذه الإشارة ليست مجرد اقتراح تقني. إنها إعلان عن الاتجاه الجديد: تحميل دول الجنوب، خصوصًا شمال إفريقيا، جزءًا من عبء الهجرة الذي لم تستطع أوروبا إدارته داخل حدودها.

المغرب — الذي أحبط خلال سنة واحدة أكثر من 40 ألف محاولة هجرة غير نظامية — يجد نفسه اليوم أمام سؤال أكبر من التقارير الأمنية: هل يقبل بأن يتحول إلى منصة إعادة توطين مؤقتة لمن رفض الاتحاد الأوروبي استقبالهم؟ وهل يملك الاتحاد الأوروبي أصلاً الحق في أن يفرض على دولة ذات سيادة استقبال أشخاص لا علاقة لهم بها؟

أسئلة تُعيدنا إلى جذور العلاقة بين أوروبا وجوارها الجنوبي. علاقة بُنيت لعقود على الأمن والتعاون والحدود، لكنها تسير اليوم نحو شكل من “الاستعانة الخارجية” لإدارة الهجرة، شبيه بما قامت به بريطانيا مع رواندا قبل أن تتراجع.

بين القانون والسياسة: أين يقف الحق في اللجوء؟

تبدو المقترحات الأوروبية، في جزء منها، متعارضة مع المبادئ الأساسية لاتفاقية 1951 الخاصة باللاجئين، خصوصًا مبدأ عدم الإعادة القسرية وعدم إرسال شخص إلى بلد لا يُوفّر ضمانات حقيقية لحمايته.

منظمات حقوقية أوروبية حذرت من هذا الانزلاق. بعضها ذهب أبعد من ذلك، مثل منظمة PICUM التي قالت إن الاتحاد الأوروبي بدل أن يستثمر في “الحماية والإدماج”، يختار “سياسات تدفع الناس نحو المخاطر”.

إنها لحظة تعيد طرح سؤال قديم خرج من الكتب القانونية إلى قلب السجال السياسي: هل تتحول أوروبا، التي قدّمت نفسها لعقود كقلعة لحقوق الإنسان، إلى قوة تُصدّر الحدود وتستورد الطمأنينة الانتخابية؟

انقسام أوروبي… وخلاف يتجاوز الجغرافيا

المفارقة أن هذا المشروع لا يحظى بإجماع داخل أوروبا نفسها:

  • الدنمارك تدفع بقوة لاعتماد النموذج، وتريد تسريع التصويت.

  • فرنسا وإسبانيا تتساءلان عن دستورية الإجراء وفعاليته.

  • دول أخرى تخشى أن يتحول “التفويض الخارجي” إلى ورقة تفاوض جيوسياسية بيد دول الجنوب.

بمعنى آخر: الاتحاد الأوروبي منقسم، ليس فقط حول مضمون المقترحات، بل حول منطقها العميق. هل هو اتحاد يريد حماية حدوده؟ أم اتحاد يريد التخلص من “عبء” اللجوء؟ أم ربما الاثنين معًا؟

ماذا يعني هذا للمغرب؟ قراءة أعمق في التداعيات

بالنسبة للرباط، الموضوع ليس مجرد قرار أوروبي. إنه ملف يحمل أبعادًا سياسية واقتصادية ودبلوماسية:

  1. ورقة تفاوض قوية بيد المغرب، يمكن استخدامها في ملف التأشيرات، والشراكات الاقتصادية، ودعم مشاريع التنمية.

  2. خطر اجتماعي محتمل إذا استقبل المغرب مهاجرين لا روابط لهم بالبلد.

  3. تحديات قانونية إذا فرضت أوروبا ترحيل أشخاص إلى المغرب دون اتفاقات واضحة.

  4. تصاعد خطاب اليمين الأوروبي قد يجعل من المغرب مجددًا “كبش فداء” للهجرة في حوض المتوسط.

وهنا، يصبح السؤال: هل يريد المغرب أن يكون شريكًا في هذا النموذج؟ أم سيضع خطوطًا حمراء كما فعلت دول أخرى؟

خلاصة: أوروبا تغير قواعد اللعبة… والجوار أمام اختبار جديد

ما يحدث اليوم ليس مجرد اجتماع وزاري عابر. إنه منعطف. مرحلة جديدة في مسار الهجرة الذي تحوّل من ملف إنساني إلى ملف انتخابي وأمني.

أوروبا تريد أن تُغلق أبوابها دون أن تتحمل كلفة الإغلاق. تريد أن تجعل من جنوب المتوسط درعًا واقيًا، ومن دوله محطات لاحتواء البشر بدلًا من احتضانهم.

أما المغرب، ومعه الجزائر وبقية دول المنطقة، فهو أمام لحظة تحتاج إلى وضوح سياسي، ومعرفة دقيقة بالثمن والربح والخسارة.

هل يصبح الجوار شريكًا في مشروع ترحيل خارجي؟ أم يفرض شروطه ويعيد صياغة قواعد التفاوض؟

أوروبا تغيّر قواعد اللعبة… والسؤال هو: من يملك رفاهية الرفض؟ ومن يملك القدرة على التفاوض؟ وهل يمكن لدولة مثل المغرب أن تحوّل هذا التحدي إلى فرصة استراتيجية — أم إلى عبء اجتماعي جديد؟