منذ أن رست أولى سفن السردين بميناء ميناء العيون، معلنة نهاية فترة الراحة البيولوجية، بدا المشهد وكأنه وعدٌ صريح بانفراج طال انتظاره. أطنان من الأسماك السطحية الصغيرة تدفقت تباعاً، في توقيت يتزامن مع ذروة الطلب خلال شهر رمضان، حيث يتحول السردين إلى مكوّن يومي في موائد الأسر المغربية. غير أن القصة لا تنتهي عند أرصفة الميناء، بل تبدأ منها، لتكشف مفارقة بين وفرة الإنتاج واستمرار الإحساس بالغلاء في أسواق التقسيط.
الأرقام الرسمية تعكس انتعاشة لافتة. فبعد توقف دام من فاتح يناير إلى منتصف فبراير، عاد النشاط تدريجياً؛ ست سفن محملة بحوالي 102 طن شكلت إشارة الانطلاق، قبل أن تقفز الكميات في اليوم الموالي إلى أكثر من ألف طن من الأسماك، بينها مئات الأطنان من السردين، ثم تتعزز الحصيلة لاحقاً بأرقام قاربت ألفي طن في يوم واحد. دينامية توحي بأن المخزون استعاد عافيته، وأن تدبير المصايد عبر آلية الراحة البيولوجية بدأ يؤتي ثماره.
على مستوى الخطاب الرسمي، تبدو الصورة منسجمة: وفرة في العرض، انتظام في التموين، وانخفاض نسبي في أسعار البيع بالجملة. في سوق الجملة للأسماك بالهراويين، بلغت الكميات الواردة ما يقارب خمسمائة طن من السردين في يوم واحد، واستقر السعر في حدود 8 دراهم للكيلوغرام، وهو مستوى يُفترض أن ينعكس إيجاباً على المستهلك النهائي. تعدد الموانئ المزودة، من طانطان إلى آسفي مروراً بالعيون، يعزز فرضية سوق متوازنة من حيث العرض.
لكن بين الميناء ومائدة المستهلك، تمتد سلسلة طويلة من الوسطاء والمسالك التجارية. هنا تحديداً تتبدد بساطة المعادلة الاقتصادية الكلاسيكية التي تربط بين وفرة العرض وانخفاض السعر. فالمستهلك، الذي يسمع عن أطنان مفرغة وأسعار جملة في حدود معقولة، لا يجد دائماً انعكاساً مباشراً لذلك في أسواق الأحياء. الفارق بين 8 دراهم في سوق الجملة وسعر يتجاوز ذلك بكثير في التقسيط يطرح سؤال الهوامش: من يلتقط القيمة المضافة في الطريق؟
التحليل الاقتصادي يكشف أن تكلفة النقل والتبريد والتخزين، إضافة إلى الرسوم المحلية وهامش الربح، كلها عناصر مشروعة في تشكيل السعر النهائي. غير أن الإشكال يظهر حين تتحول هذه الهوامش إلى بنية ثابتة من “الاختلالات”، تجعل السوق أقل حساسية لتقلبات العرض. فحتى مع تدفق كميات قياسية، تبقى الأسعار في بعض نقاط البيع شبه مستقرة، وكأنها منفصلة عن دينامية الموانئ.
ثمّة بعد آخر لا يقل أهمية، يتعلق بثقافة السوق وآليات المراقبة. فأسواق الجملة منظمة نسبياً وتخضع لرقابة إدارية، بينما تتسم مسالك التقسيط بتشظٍّ أكبر، ما يصعّب تتبع مسار المنتوج وهوامشه بدقة. هنا تتقاطع مسؤولية السلطات المحلية مع دور جمعيات حماية المستهلك، في ضمان أن تتحول الوفرة من معطى إحصائي إلى أثر ملموس على القدرة الشرائية.
المفارقة، إذن، ليست في وفرة السردين بحد ذاتها، بل في عجز السوق عن ترجمتها سريعاً إلى إحساس جماعي بالانفراج. وبينما تؤكد الجهات المعنية أن الراحة البيولوجية عززت استدامة المخزون وانتظام التزويد، يبقى الرهان الحقيقي هو استدامة العدالة السعرية. فنجاح تدبير المصايد لا يُقاس فقط بحجم الأطنان المفرغة، بل بمدى قدرة الأسر على اقتنائها بسعر منصف.
هكذا تتحول قصة السردين من خبر عن أرقام قياسية في التفريغ إلى سؤال أعمق حول بنية السوق المغربية: هل تكفي وفرة الإنتاج لضبط الأسعار، أم أن إصلاح مسالك التوزيع بات شرطاً موازياً لأي سياسة تروم حماية القدرة الشرائية؟ بين الميناء والسوق، تقف هذه المسافة الرمزية التي تختزل معركة يومية صامتة بين منطق العرض، ومنطق الوساطة، وانتظارات المواطن.