1. بايتاس يعلن عن منظومة دعم “متكاملة”… والواقع الميداني يروي قصة أخرى

0
94

في خطابه الأسبوعي المألوف، بدا مصطفى بايتاس واثقاً وهو يصف منظومة الدعم الاجتماعي بالمغرب بأنها “متكاملة”، مشدداً على أن الإعانات تصل إلى مستحقيها وأن الدولة عبأت إمكانيات مالية ضخمة لضمان استمرارية الورش. أرقام كبيرة، ولغة رسمية مطمئنة، ورسالة سياسية واضحة: الحكومة تقوم بما يجب، والآلة الإدارية تسير في الاتجاه الصحيح. لكن خلف هذا الخطاب المعلّب، يظل السؤال الحقيقي معلقاً في ذهن آلاف الأسر: هل ما يُقال في المنصات الرسمية يعكس فعلاً ما يُعاش في البيوت الهشة؟

من حيث الشكل، تبدو الصورة منسجمة: 53 مليار درهم منذ نهاية 2023، دعم يتراوح بين 500 و1200 درهم حسب تركيبة الأسرة، مساعدات مدرسية، دعم للأرامل وذوي الإعاقة، وتوسيع قاعدة المستفيدين. خطاب محكم البناء، يعتمد على الأرقام والإحصائيات لإضفاء طابع الجدية والنجاعة. غير أن منطق الأرقام لا يكفي وحده لقياس الأثر الاجتماعي، لأن القيمة الحقيقية لأي سياسة عمومية لا تُقاس بما يُرصد لها في الميزانية، بل بما تتركه من أثر ملموس في حياة الناس.

في الواقع الاجتماعي اليومي، تتردد روايات مغايرة. أسر تؤكد أنها سجلت ولم تتوصل بشيء، وأخرى توصلت بدعم لا يغطي حتى الحد الأدنى من متطلبات العيش في ظل الغلاء، وثالثة أُقصيت بسبب معايير تقنية لا تفهم منطقها. هنا يظهر التناقض الصامت بين خطاب “المنظومة المتكاملة” وواقع منظومة لا تزال في نظر كثيرين “انتقائية”، تعتمد على خوارزميات ومعايير رقمية أكثر مما تعتمد على المعرفة الميدانية بالأوضاع الاجتماعية.

الحد الأدنى للدعم، كما يقول بايتاس، هو 500 درهم. لكن هذا الرقم، حين يُفصل عن السياق الاقتصادي العام، يبدو رمزياً أكثر منه حلاً. في زمن ترتفع فيه أسعار المواد الأساسية، والكهرباء، والنقل، والكراء، يصبح السؤال بسيطاً ومؤلماً في آن واحد: ماذا تفعل 500 درهم لأسرة من خمسة أفراد؟ حتى سقف 1200 درهم، الذي تقدمه الحكومة كإنجاز، يظل في كثير من الحالات مجرد مسكن مؤقت، لا يغير فعلياً من شروط الهشاشة البنيوية.

أما ورش الحماية الاجتماعية، فيُقدَّم باعتباره قصة نجاح كبرى: تحويل “راميد” إلى “أمو تضامن”، تسجيل ملايين المستفيدين، وتوسيع التغطية الصحية. غير أن هذا التحول، رغم أهميته الرمزية والمؤسساتية، لا يخلو من مفارقات. فعدد المسجلين في “أمو تضامن” بلغ السقف الأقصى، ما يعني عملياً أن النظام استوعب الفئات السابقة دون أن يضمن بالضرورة جودة الخدمات الصحية. كثير من المستفيدين يشتكون من صعوبة الولوج إلى العلاج، من بطء المساطر، ومن اكتظاظ المستشفيات، ما يجعل التغطية الصحية في بعض المناطق أقرب إلى “حق نظري” منه إلى خدمة فعلية.

الحديث عن إعادة هيكلة الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، وفتح وكالات جديدة، وإحداث مراكز تواصل، يبدو بدوره جزءاً من خطاب تحديث الإدارة. لكن التجربة اليومية للمواطن البسيط لا تزال في كثير من الأحيان مرهقة: ملفات معلقة، منصات رقمية معقدة، مواعيد مؤجلة، وشعور عام بأن النظام مصمم بلغة تقنية لا تراعي هشاشة المستفيدين وضعف قدرتهم على التعامل مع الرقمنة.

في العمق، يمكن قراءة خطاب بايتاس باعتباره محاولة لصناعة سردية رسمية: الدولة حاضرة، الميزانيات مرصودة، والإصلاحات متواصلة. سردية ضرورية سياسياً، لكنها تصطدم بسردية أخرى غير مكتوبة، تعيش في كلام الناس اليومي، في طوابير الإدارات، وفي شكايات مواقع التواصل الاجتماعي. سردية تقول إن الدعم موجود نظرياً، لكنه غير كافٍ مادياً، وغير عادل أحياناً في توزيعه، وغير إنساني في آليات تدبيره.

الظاهرة إذن هي خطاب حكومي مطمئن، والمضمر هو فجوة ثقة متنامية بين الدولة والفئات الهشة. فجوة لا تُردم بالأرقام وحدها، بل بإعادة التفكير في فلسفة الدعم نفسها: هل هو مجرد تحويلات مالية ظرفية؟ أم سياسة اجتماعية شاملة تعيد الاعتبار للكرامة الإنسانية، وتربط الدعم بالتمكين الاقتصادي الحقيقي، وليس فقط بالنجاة المؤقتة؟

في النهاية، يبدو أن السؤال الجوهري ليس: كم صرفت الحكومة؟ بل: هل تغيرت فعلاً حياة الفقراء؟ وهل يشعر المستفيدون بأنهم شركاء في ورش اجتماعي، أم مجرد أرقام في بلاغات رسمية؟ هنا بالضبط يتحدد الفرق بين منظومة “متكاملة” على الورق، ومنظومة عادلة وفعالة في الواقع.