حين يعجز الجواب ويعلو الانفعال: القمح والأضاحي والتعيينات والمال العام والسِّلم الاجتماعي… الملفات التي هزّت الحكومة تحت قبة البرلمان

0
107

في السياسة، ليست قيمة الحدث فيما يقع فقط، بل فيما يكشفه من طبقات أعمق تحت السطح. لذلك لم يكن النقاش الذي دار خلال الجلسة الشهرية لرئيس الحكومة بمجلس النواب يوم 8 يونيو 2026 مجرد سجال عابر بين الأغلبية والمعارضة، بل بدا وكأنه لحظة مكثفة أخرجت إلى العلن أسئلة متراكمة حول طبيعة العلاقة بين السلطة التنفيذية والرقابة البرلمانية، وحول الحدود الفاصلة بين التدبير الحكومي والمساءلة السياسية، وحول قدرة المؤسسات على إنتاج أجوبة مقنعة في زمن تتزايد فيه انتظارات المواطنين وتتراجع فيه مستويات الثقة في الخطاب السياسي. وقد تحولت الجلسة، التي كان يفترض أن تتمحور حول قضايا التربية والتكوين، إلى ساحة مواجهة سياسية مفتوحة بعدما أثار رئيس المجموعة النيابية لحزب العدالة والتنمية، عبد الله بوانو، سلسلة من الملفات التي اعتبرها ذات صلة مباشرة بالشأن العام، وهو ما أعقبه رد قوي من رئيس الحكومة عزيز أخنوش وسط أجواء وصفتها تقارير إعلامية بالتوتر السياسي الواضح.

وراء هذا التوتر يبرز سؤال يبدو بسيطا في ظاهره، لكنه يحمل دلالات سياسية عميقة: لماذا تتحول بعض الأسئلة إلى مصدر حساسية داخل النقاش العمومي؟ ففي الأنظمة الديمقراطية لا تُقاس قوة المؤسسات بعدد الإنجازات التي تعلنها، بل بقدرتها على تحمل الأسئلة الصعبة وتقديم المعطيات اللازمة للرأي العام. وعندما يتحول مجرد الحديث عن اجتماع يتعلق بملف الأضاحي إلى محور مواجهة سياسية، فإن القضية تتجاوز الاجتماع نفسه لتلامس إشكالية أكبر تتعلق بالشفافية وبحق المواطنين في معرفة كيف تُتخذ القرارات المرتبطة بقضايا تمس حياتهم اليومية ومعيشتهم المباشرة. فالأضحية لم تعد مجرد شعيرة دينية أو مناسبة اجتماعية، بل أصبحت خلال السنوات الأخيرة ملفا اقتصاديا واجتماعيا معقدا يتداخل فيه الأمن الغذائي والقدرة الشرائية والاستيراد والدعم العمومي وتوازنات السوق.

لكن الملف لم يتوقف عند حدود الأضاحي. فبين ثنايا النقاش برزت قضية القمح باعتبارها واحدة من أكثر الملفات حساسية في الاقتصاد المغربي. فالقمح ليس مجرد سلعة زراعية، بل يمثل ركنا أساسيا في الأمن الغذائي الوطني. ومن هنا يكتسب أي قرار يتعلق بالاستيراد أو بالدعم أو بالتسعير أهمية استثنائية، خصوصا في سياق يتسم بتقلبات الأسواق الدولية وتداعيات التغيرات المناخية على الإنتاج الفلاحي. وقد سبق أن أثيرت داخل البرلمان تساؤلات بشأن آليات استيراد وتخزين وطحن القمح وحول مدى استفادة الفلاح المغربي من السياسات المعتمدة في هذا المجال.

والواقع أن الجدل حول القمح يعكس معضلة أعمق تواجه السياسات العمومية في المغرب. فمن جهة، توجد ضرورة تأمين المخزون الوطني وضمان استقرار الأسعار، ومن جهة أخرى هناك حاجة لحماية المنتج الوطني وتشجيع الفلاح المغربي الذي يواجه أصلا تحديات الجفاف وارتفاع تكاليف الإنتاج. وبين هذين الاعتبارين تظهر أسئلة مشروعة حول كيفية تحقيق التوازن بين منطق السوق ومنطق السيادة الغذائية، وبين متطلبات الاستيراد وحماية الإنتاج المحلي.

أما الملف المتعلق باستقطاب المنتخبين داخل الأغلبية الحكومية نفسها، فهو يفتح الباب أمام نقاش آخر يتعلق بجودة الحياة الحزبية في المغرب. فمنذ سنوات طويلة يشتكي الفاعلون السياسيون من ظاهرة الترحال السياسي ومن هشاشة الانتماء الحزبي ومن تحوّل بعض الاستحقاقات الانتخابية إلى منافسات مرتبطة بالنفوذ أكثر من ارتباطها بالبرامج. وعندما تصبح المنافسة داخل مكونات الأغلبية نفسها أكثر حضورا من التنسيق بينها، فإن ذلك يثير تساؤلات حول طبيعة التحالفات السياسية وحول مدى قدرة الأحزاب على الحفاظ على هويتها واستقلالية قرارها.

وفي قطاع التعليم، عاد النقاش حول الوسائل المعتمدة لمحاربة الغش في امتحانات الباكالوريا ليكشف وجها آخر من وجوه التوتر القائم بين منطق الأمن ومنطق التربية. فالمغرب، مثل كثير من الدول، يواجه تحديا حقيقيا يتمثل في تطور وسائل الغش واستعمال التكنولوجيا الحديثة، لكن السؤال المطروح هو: كيف يمكن حماية مصداقية الامتحانات دون تحويل الفضاء المدرسي إلى فضاء يطغى عليه الإحساس بالمراقبة والارتياب؟ فالتربية لا تقوم فقط على الردع، بل تقوم أيضا على بناء الثقة والقيم والمسؤولية الفردية، وهي معادلة دقيقة تجعل من أي إجراء تقني أو أمني موضوعا للنقاش العمومي والتقييم المستمر.

وفي خلفية كل هذه الملفات يبرز موضوع التعيين في المناصب العليا باعتباره أحد أكثر المواضيع ارتباطا بصورة الدولة الحديثة. فالمواطن لا يتابع تفاصيل المساطر القانونية بقدر ما يهتم بالنتيجة النهائية: هل يتم اختيار المسؤولين على أساس الكفاءة والاستحقاق أم وفق اعتبارات أخرى؟ ولهذا تظل الشفافية في التعيينات إحدى الركائز الأساسية لتعزيز الثقة في المؤسسات، لأن الشرعية الإدارية لم تعد تُبنى فقط على النصوص القانونية، بل على الإحساس العام بعدالة الفرص وتكافؤها.

غير أن أكثر ما يمنح هذا السجال السياسي أهميته ليس تفاصيل الملفات المطروحة، بل ما يكشفه عن طبيعة المرحلة التي يعيشها المغرب. فخلال السنوات الأخيرة تصاعدت الضغوط المرتبطة بالقدرة الشرائية، وارتفعت انتظارات المواطنين من برامج الحماية الاجتماعية والتشغيل والصحة والتعليم، بينما أصبحت شبكات التواصل الاجتماعي تراقب كل تصريح وكل قرار وتعيد إنتاجه في فضاء عمومي مفتوح لا يعترف بالحدود التقليدية بين السلطة والمعارضة. وفي مثل هذا السياق تصبح الجلسات البرلمانية أكثر من مجرد آلية دستورية للمساءلة؛ إنها فضاء لقياس مستوى الثقة بين المواطن والمؤسسات، واختبار لقدرة الفاعلين السياسيين على إقناع الرأي العام.

ومن هنا تبدو الإشارة المتبادلة إلى الانتخابات والشرعية الانتخابية جزءا من معركة أوسع تتعلق بمن يمتلك حق تمثيل المزاج الشعبي. فالمعارضة ترى أن وظيفتها هي طرح الأسئلة وإثارة القضايا التي تعتبرها مغيبة، بينما ترى الحكومة أن حصيلتها تمنحها شرعية الدفاع عن اختياراتها. وبين الطرفين يقف المواطن العادي، غير المنشغل غالبا بتفاصيل السجال السياسي بقدر انشغاله بنتائج السياسات على معيشه اليومي وفرص شغله ومستقبل أبنائه.

في النهاية، قد يختلف المغاربة حول صحة هذه الاتهامات أو تلك، وقد تتباين القراءات بشأن أداء الحكومة أو المعارضة، لكن الأهم أن الجدل الذي انفجر تحت قبة البرلمان أعاد طرح سؤال جوهري يتجاوز الأشخاص والأحزاب والولايات الانتخابية: هل ما زالت السياسة المغربية قادرة على إنتاج أجوبة مقنعة بقدر قدرتها على إنتاج السجالات؟ لأن الديمقراطية لا تُقاس بارتفاع الأصوات داخل القاعة، بل بقدرة المؤسسات على تحويل الأسئلة المقلقة إلى سياسات واضحة، وتحويل الشكوك إلى معطيات، وتحويل التوتر السياسي إلى فرصة لتعزيز الثقة بين الدولة والمجتمع. وعندما يصبح الجواب أكثر قوة من الانفعال، تكون المؤسسات قد ربحت المعركة الأهم: معركة المصداقية.