فضائح سرقة الماء والكهرباء: من ينهب الموارد في ظل العطش؟

0
417
صورة: أرشيف

في وقت تتصاعد فيه أزمة العطش بعدد من المناطق المغربية، وتُرفع فيه أصوات المواطنين احتجاجاً على غياب الماء وتراجع الخدمات، تكشف تحقيقات لجان تفتيش تابعة للإدارة الترابية بجهتي الدار البيضاء-سطات ومراكش-آسفي عن شبكة معقدة من التلاعب والنهب المنظم للموارد الحيوية، تورط فيها منتخبون ومقاولون ونافذون سياسيون.

المعطيات التي توصلت إليها هسبريس من مصادر مطلعة تشير إلى أن تحقيقات ميدانية، انطلقت تنفيذاً لدورية صادرة عن وزير الداخلية عبد الوافي لفتيت، رصدت تجاوزات جسيمة في استغلال الماء والكهرباء لأغراض فلاحية وصناعية غير قانونية، تشمل الآبار السرية، والربط العشوائي بالكهرباء، والبناء دون ترخيص، في ظل حماية سياسية مشبوهة.

من يقرر؟ ومن يتواطأ؟

وفق المصادر نفسها، سارعت شخصيات نافذة، من بينها منتخبون ومسيرو جماعات، إلى تفكيك معدّاتهم وإخفاء آثار الربط غير القانوني فور علمهم بتحرّك لجان التفتيش. هذا السلوك يعكس مستوىً عالياً من الإفلات من العقاب، وربما علاقات حماية داخل السلطة المحلية أو الإقليمية، خصوصاً في المناطق التي شملتها التحقيقات كجماعات نواحي المحمدية والدار البيضاء.

وتفيد التقارير الأولية أن بعض رجال السلطة المحليين أعدوا وثائق ميدانية كشفت عن “آبار سرية” غير مرخصة، مما يثير تساؤلات حول مدى التواطؤ أو الصمت الإداري السابق، بل وحتى إمكانية تلقي رشى مقابل غض الطرف.

من يستفيد؟

تؤكد الوثائق التي اطلعت عليها اللجان أن بعض المستفيدين من سرقة الماء والكهرباء يمتلكون مصانع عشوائية لتصنيع الآجر وبيع مواد البناء، وهي نفس المواد التي تُستخدم في مشاريع بناء عشوائية محمية من تدخل السلطات.

هذه الأنشطة، التي تنتعش خارج أي تأطير قانوني، تُدرّ أرباحاً ضخمة لأصحابها، بينما يعاني المواطن البسيط في القرى والضواحي من العطش وارتفاع الفواتير، ما يكشف خللاً بنيوياً في عدالة توزيع الموارد.

الفساد المقنّع؟ عندما يُحمى التلاعب باسم التفويض

التحقيقات تتجه نحو إسقاط رؤساء جماعات ونوابهم، خاصة الحاصلين على تفويضات في التعمير، لتورطهم في تجاوزات مرتبطة بالبناء العشوائي، والربط غير القانوني، وتشغيل وحدات صناعية غير مرخصة.

الخطير في الأمر، أن هؤلاء المنتخبين استغلوا مواقعهم لتمرير أنشطة غير قانونية، كما كشفت تقارير وردت من قياد وأعوان سلطة عن ضغوط يتعرض لها بعضهم من قبل نافذين يسعون إلى استغلال موارد مائية عامة لتغذية مصانعهم السرية.

دوريات وزارة الداخلية: بين النص والتنفيذ

تستند لجان التفتيش إلى دورية رسمية للداخلية (رقم 1937)، تنص على تفعيل المقتضيات القانونية المرتبطة بالماء، وتقييد استعمالاته في ظل أزمة الجفاف. إلا أن المفارقة تكمن في أن الجهات المستفيدة من استغلال الماء هي ذاتها التي يُفترض أن تطبّق هذه الدورية، ما يطرح علامات استفهام حول جدية المراقبة والمحاسبة.

تشير الدورية أيضاً إلى ضرورة إطلاق حملات تحسيسية، ومنع ري الحدائق أو غسل الشوارع بالماء الصالح للشرب، وتعليق تزويد المصانع العشوائية، وهي توجيهات تظل، في كثير من الحالات، حبراً على ورق أمام غياب إرادة سياسية صلبة لتطبيق القانون على الجميع.

توجيهات ولائية: هل نقترب من لحظة محاسبة حقيقية؟

بتوجيه من محمد امهيدية، والي جهة الدار البيضاء-سطات، تم تعميم تعليمات صارمة على عمال الأقاليم، تطالب بتعليق تزويد المصانع غير المرخصة، بعضها في ملكية منتخبين نافذين، ثبت تورطهم في استغلال المياه والكهرباء بشكل غير قانوني.

هذه الخطوة قد تمثّل فرصة أولى نحو كشف شبكات التلاعب المحلي، إلا أن فعالية هذه الإجراءات ستعتمد على مدى استعداد الدولة لتوسيع التحقيقات ومحاسبة الشخصيات المتورطة بصرف النظر عن مواقعها الحزبية أو الإدارية.

خلاصة: اختلالات مائية في زمن الجفاف

في بلد يواجه واحدة من أسوأ أزماته المائية، يبدو أن النهب الممنهج للماء والكهرباء ليس مجرد انحراف فردي، بل نتاج لنظام من العلاقات الفاسدة، يحمي الأقوياء ويُضعف سيادة القانون.

إن لجان التفتيش التي تتحرك اليوم يجب ألا تكتفي بتقارير جزئية، بل أن تتحول إلى آلية مركزية في مراجعة العلاقة بين الدولة والمجالس المنتخبة، وفي إعادة الثقة للساكنة التي تدفع ثمن فساد من يفترض أنهم يمثلونها.

السؤال المطروح الآن:

هل ستكون هذه التحقيقات نقطة انطلاق نحو تفكيك منظومة النهب المحلي؟
أم مجرد زوبعة إدارية عابرة سرعان ما تخمد في دهاليز النفوذ؟