في زمن كأس إفريقيا… ليلة أخرى تحتفي بمغرب لا يظهر في العناوين

0
125

في ظاهرها ليلة احتفالية، وفي عمقها خطاب رمزي متعدد الطبقات، جاءت “الليلة المغربية الأكاوية لتوزيع جوائز التميز” لتؤسس لما هو أبعد من مجرد حفل تكريم عابر. الحدث، الذي احتضنه مسرح محمد السادس، لم يكن فقط مناسبة لتوزيع الجوائز أو استعراض الأسماء اللامعة، بل شكل لحظة دلالية تكثف تلاقي الثقافة بالفن بالاقتصاد، في سياق وطني مشحون بالرمزية، يتزامن مع احتضان المغرب لكأس إفريقيا للأمم.

من زاوية التحليل، يشتغل هذا الموعد على مستويين متداخلين: مستوى الاعتراف الرمزي، ومستوى الرسالة السياسية-الاقتصادية غير المعلنة. فالاحتفاء بنجوم الفن والإعلام، إلى جانب تكريم المقاولات النسائية الصغرى، يعكس محاولة واعية لإعادة تعريف مفهوم “النجومية” و”النجاح” خارج القوالب الاستهلاكية الضيقة، وربطهما بالفعل المنتج، سواء كان إبداعيًا أو اقتصاديًا.

اختيار تسمية “الليلة المغربية” ليس تفصيلاً لغويًا عابرًا، بل يحمل شحنة هوياتية واضحة. فهنا يتم استدعاء “المغربية” باعتبارها جامعًا رمزيًا، يوحد الفنان بالمقاولة، والإعلامي بالمرأة المكافحة، في سردية واحدة قوامها الكفاءة والاعتراف. بهذا المعنى، يتحول الحفل إلى منصة لإنتاج خطاب وطني بديل، يوازي الخطاب الرياضي السائد في لحظة كأس إفريقيا، دون أن ينافسه، بل يكمله ويمنحه بعدًا أشمل.

تكريم أسماء فنية وإعلامية وازنة، إلى جانب برنامج إعلامي رقمي مثل “ويب ستار”، يعكس وعيًا بتحول المشهد الإعلامي والثقافي، حيث لم تعد الشرعية تُستمد فقط من المؤسسات التقليدية، بل من القدرة على التأثير والتجديد والوصول إلى الجمهور. في المقابل، فإن تخصيص حيز وازن للمقاولات النسائية الصغرى يخرج الحدث من دائرة الاحتفاء الرمزي إلى دائرة الرهان التنموي، باعتبار هذه الفئة إحدى أكثر الفئات اشتغالًا في الظل، وأقلها حضورًا في واجهة الاعتراف العمومي.

تصريحات كريمة عراقيا، بصفتها رئيسة “أكابيجو”، تكشف بوضوح الخلفية الفكرية للحدث. فالخطاب هنا لا يكتفي بالإشادة، بل يؤطر الاحتفال باعتباره فعل اعتراف و”تصحيح رمزي” لمسار غالبًا ما همّش النساء المقاولات، رغم دورهن في تحريك الاقتصاد المحلي وبناء ثقافة المبادرة. الحديث عن الأرباح، والنضال اليومي، والعمل المتواصل، ليس مجرد توصيف، بل محاولة لنقل صورة المرأة المقاولة من خانة “الاستثناء” إلى خانة “الفاعلة الاقتصادية”.

الأهم في هذه الليلة أنها لم تقدم الفن بمعزل عن الاقتصاد، ولا المرأة بمعزل عن الإبداع، بل سعت إلى تفكيك هذا الفصل التقليدي بين المجالات، لصالح رؤية تكاملية تعكس مغربًا متجذرًا في هويته، لكنه واعٍ بتحولات العصر. مغرب لا يختزل الاحتفال في كرة القدم، رغم مركزيتها، بل يوسع دائرة الفرح الوطني لتشمل الاعتراف بالكفاءات، وتشجيع قصص النجاح، وصناعة الأمل الجماعي.

بهذا المعنى، يمكن قراءة “الليلة المغربية الأكاوية” كفعل رمزي مقاوم للنسيان، ورسالة ضمنية مفادها أن الأمم لا تُبنى فقط بالنتائج الرياضية، بل بثقافة الاعتراف، وبالقدرة على تحويل النجاح الفردي إلى قيمة جماعية. إنها ليلة تقول، بين السطور، إن مغرب المستقبل لا يكتفي بالتصفيق، بل يحتاج إلى الاحتفاء الواعي، والاعتراف المنتج، وربط الإبداع بالتنمية في سردية وطنية واحدة.