“كان 2025” بين التأويل الاقتصادي والواقع الاجتماعي: حسابات الوزير أم حسابات المواطن؟

0
127

تحولت بطولة كأس أمم إفريقيا 2025 في المغرب إلى حدث يتجاوز حدود الرياضة، ويحاول كثير من الخطابات الرسمية والإعلامية إبرازها كـ«منقذ اقتصادي» ورافعة تُعيد الحياة إلى الاقتصاد الوطني بعد سنوات أزمة. في هذا الإطار تصدرت أرقام ومعطيات الرواج والخدمات عناوين الأخبار، بينما ظل السؤال الأعمق عن أجندة هذه الرؤية وكيف ترتبط بحياة المغاربة اليومية معلقًا بلا إجابة حاسمة.

الاستثمارات تُستخدم كمرآة… لكن لمن؟

الأرقام التي تم تداولها في الإعلام تشير إلى أن المغرب أنفق ما يقارب 150 مليار درهم (حوالي 16.3 مليار دولار) للاستعداد لاستضافة “كان 2025″، ضمن ما يرتبط أيضًا بالاستعدادات لكأس العالم 2030. وتشمل هذه الاستثمارات الملاعب والبنية التحتية والنقل الحضري والخدمات المرافقة للبطولة.

من زاوية رسمية، يُقدم هذا الإنفاق كـ«استثمار ذكي» يسترجع تكلفته على المدى الطويل عن طريق السياحة والنقل والخدمات، بينما يعمم المتحدثون فكرة أن ما يجري يتجاوز مجرد “استهلاك مرحلي” ليشكل “دورة اقتصادية” كاملة تغذي النمو.

لكن هل هي حقًا دورة اقتصادية تعود بالفائدة على حياة المواطن العادي؟ أم أنها دينامية مؤقتة لصورة اقتصادية خارجية أكثر منها قوة تحويل اجتماعي حقيقي؟

بين الرواج والعيش: تناقضات لا تُرى في البث التلفزيوني

رغم أن الرواج الاقتصادي في المدن المحتضنة للبطولة حقيقة موجودة على الأرض — من ارتفاع طلب الفنادق إلى خدمات النقل — فإن هذا الركود الاقتصادي المؤقت لا يعكس بحق الواقع المعيشي الواسع للاقتصاد المغربي.

إحصائيات رسمية تظهر أن عدد الفقراء في المغرب لا يزال مرتفعًا، مع تراجع من حوالي 4 ملايين نسمة في 2014 إلى نحو 2.5 مليون شخص يعيشون تحت الفقر في 2024، ما يعكس أن ملايين المغاربة لا يزالون خارج نطاق الرفاهية التي يُروج لها شعار “كان 2025”.

حتى عندما يسجل الانخفاض، فإن الفقر لا يزال ظاهرة هيكلية:

  • الفقر متعدد الأبعاد — أي الذي يشمل التعليم والصحة وظروف المعيشة — لا يزال حاضرًا خاصة في المناطق القروية.

  • ملايين آخرون يعيشون في هشاشة اقتصادية، أي معرضون للعودة إلى الفقر بمجرد حدوث صدمة في الأسعار أو فقدان دخل مؤقت.

هذه الأرقام تتناقض مع سرد “الدينامية الاقتصادية” الذي يُصوَّر كأساس للحياة اليومية، فبينما تنعم بعض المقاولات بخدمات الزبائن الأجانب والسياح، تظل الأسر المقيمة في الأحياء والأرياف غير منتفعة بشكل ملموس.

الصورة الكبيرة: الرياضة أم السياسة الاقتصادية؟

الحديث عن “الاستثمار المنتج” و“الشراكات المبتكرة” في تمويل البنية التحتية يرفع شعارًا جذابًا: أن الأموال الضخمة لا تُصرف من الميزانية العامة وحدها، بل من خلال آليات تمويل طويلة الأجل. لكن ماذا عن أولويات الإنفاق العام؟

هل يجب أن يكون توسيع شبكة النقل الحضرية الفاخرة وملاعب ذات مواصفات عالمية أولوية أعلى من الاستثمار في الصحة العامة، التعليم، أو في برنامج مكافحة الفقر والهشاشة؟
وهل القصص التي تُروَّج على شاشات الإعلام عن “ازدهار خلاّق” تتحدث بلسان كل شرائح المجتمع أم فقط عن فئة حضرية محدودة استفادت من تدفقات السياحة المؤقتة؟

المعادلة الخفية: بين الانبهار والأثر الحقيقي

الاحتفاء بـ«الرواج الطبقي» وطبقات الاستهلاك المتعددة يخفي سؤالًا جوهريًا: إلى أي مدى تنعكس هذه الميزانيات الكبيرة في تحسين حياة الفئات الأكثر هشاشة؟ وهل يمكن اعتبار البطولة، بميزانيتها المليارية، استثمارًا اجتماعيًا حقيقيًا إذا كانت آلاف الأسر لا تزال تكافح من أجل تلبية أساسيات الحياة اليومية؟

الجواب ليس في الشعارات أو الأرقام التي توزعها التصريحات الرسمية، بل في مدى قدرة هذه الأحداث الكبرى على تغيير واقع الناس اليومي: زيادة الوصول إلى الخدمات الأساسية، خلق فرص عمل مستدامة، تحسين الدخل للفئات الأضعف، والحد من الفوارق الحضرية–القروية.

أسئلة مفتوحة لتفكير أعمق

  • هل الاستثمار في الرياضات وبنيتها التحتية “الرفيعة” يمكن أن يكون ذات أولوية أعلى من الاستثمار في الصحة والتعليم؟

  • كيف يمكن أن تتحول العوائد الاقتصادية الظرفية إلى تحسن دائم في المعيشة وليس مجرد ارتفاع مؤقت في رقم معاملات الفنادق؟

  • هل هناك رؤية تشمل توزيع الثروة بشكل أكثر عدالة بين الفئات الحضرية والقروية، أو بين المقاولات الكبرى والمقاولات الصغيرة؟

  • وما هو الدور الحقيقي للسياسات العمومية في تحويل الفرص الاقتصادية إلى فرص حياة حقيقية للفقراء والهشّاش؟

هذا المقال لا يقدم حكمًا نهائيًا، بل يحاول أن يعيد سؤال الرياضة والاقتصاد إلى صلب المعادلة: ليس كحدث فني ممتع، بل كخيار سياسي–اقتصادي يُفترض أن يخدم المجتمع ويُغنِيه، لا أن يطغى على أزماته الحقيقية.