أعاد بلاغ حديث لحزب العدالة والتنمية، نُشر على حسابه الرسمي بـ“فيسبوك”، النقاش إلى واجهة المشهد السياسي حول القانون التنظيمي للمجلس الوطني للصحافة، ليس فقط من زاوية مضمونه، بل من خلال الطريقة التي اختار بها الحزب المعارض إدارة معركته المؤسساتية. فالبلاغ، في صيغته الهادئة ظاهريًا، لا يكتفي بتسجيل موقف سياسي، بل يفتح قنوات تنسيق غير معلنة حين يُسند لعبد الإله بنكيران مهمة التواصل مع محمد أوزين، الأمين العام لحزب الحركة الشعبية، للمضي قدمًا في مسعى سحب القانون وإحالته على المحكمة الدستورية.
في القراءة الأولى، يبدو الأمر تقاطعًا ظرفيًا بين حزبين وُضعا خارج التشكيلة الحكومية، بعد أن اختار رئيس الحكومة تجاهلهما خلال مفاوضات التشكيل. تقاطعٌ تحكمه معارضة مشتركة لخيارات الأغلبية، دون أن يرتقي إلى مستوى التحالف السياسي المعلن أو التنسيق الهيكلي. غير أن القراءة الأعمق تطرح سؤالًا مختلفًا: هل نحن أمام تنسيق تقني ظرفي أم محاولة لإعادة رسم أدوار داخل معارضة تبحث عن نفس جديد؟
بلاغ “المصباح” حرص على تقديم المبادرة في إطار مؤسساتي صرف، يُؤكد احترام الآليات الدستورية، خاصة الإحالة على المحكمة الدستورية، باعتبارها مسارًا مشروعًا لحسم الخلاف حول قانون يهم تنظيم المهنة الصحفية وضبط تمثيليتها. لكن البلاغ، في المقابل، التزم الصمت إزاء خلفيات هذا التكليف وتوقيته، ولم يُجب عن سؤال مركزي: لماذا محمد أوزين تحديدًا؟ ولماذا الآن؟
هنا يبرز الفرق بين المعلن والمسكوت عنه. فاختيار أوزين، القادم من مدرسة سياسية مختلفة في المرجعية والخطاب، لا يمكن فصله عن رهان “المصباح” على توسيع جبهة الاعتراض خارج دائرته التقليدية، واستثمار رمزية حزب تاريخي ارتبط بالدفاع عن العالم القروي والأمازيغية، وله امتداد انتخابي متجدد. في المقابل، يجد حزب الحركة الشعبية نفسه أمام اختبار دقيق: كيف يُدير تفاعلًا مع مبادرة لا يصوغها، دون أن يبدو تابعًا لها أو مفرّطًا في مشروعه الخاص لبناء “البديل الحركي”؟
من الناحية الرمزية، يُعيد هذا التقاطع إلى الأذهان علاقة “الفقيه والمريد” أكثر مما يُحيل على شراكة متكافئة. عبد الإله بنكيران، الذي تَشَكَّل سياسيًا داخل رحم الشبيبة الإسلامية، وبمباركة مؤسس الحزب عبد الكريم الخطيب، يُتقن توظيف اللغة الأخلاقية والسياسية معًا، ويجيد خوض المعارك الرمزية حتى من موقع المعارضة. أما محمد أوزين، خريج مدرسة محجوبي أحرضان وامحند العنصر، فيحمل تكوينًا أكاديميًا حداثيًا، ويشتغل على إعادة تموقع حزبه بخطاب عقلاني أقل صدامية وأكثر حذرًا في اختيار المعارك.
الفارق العمري، كما الفارق في الأسلوب، لا يعني تفوق طرف على آخر بقدر ما يعكس اختلافًا في مقاربة السياسة. فبنكيران، المعروف بعبارة “انتهى الكلام”، لا يتردد في خوض المواجهات المفتوحة، حتى وإن تطلب الأمر دفع كلفة سياسية وإعلامية. بينما يُدرك أوزين، الذي راكم مواقف لافتة داخل البرلمان وخارجه، أن المغامرة غير المحسوبة قد تُبدد ما راكمه من رصيد شعبي، خاصة في سياق يتسم بحساسية العلاقة بين السياسة والإعلام.
من هذا المنظور، لا يبدو تفاعل الحركة الشعبية مع مبادرة “المصباح” استسلامًا أو تبعية، بقدر ما هو اختبار للتوازن بين الانخراط في معركة ذات بعد دستوري مشروع، والحفاظ على الاستقلالية السياسية والرمزية. فالقانون التنظيمي للمجلس الوطني للصحافة ليس ملفًا تقنيًا معزولًا، بل يتقاطع مع أسئلة أعمق حول حرية التعبير، وتنظيم المهنة، وحدود تدخل الدولة، ودور الأحزاب في تأطير النقاش العمومي دون توظيفه.
السياسة، في النهاية، فن إدارة المناورات بقدر ما هي فن بناء المواقف. ومن لا يُحسن قراءة ما بين السطور، قد يجد نفسه إما مُستَخدمًا في معركة غيره، أو متهمًا بالفرار من مواجهة تهم الرأي العام. وبين هذين الحدّين، يتحرك محمد أوزين بحذر واضح، مدركًا أن قبول المغامرة التي عُرضت عليه من طرف بنكيران قد يكون مكسبًا إن أُحسن تدبيره، وقد يتحول إلى كلفة إن أُفرغ من شروطه وحدوده.
هكذا، لا يُمكن اختزال البلاغ في مجرد تنسيق عابر، ولا تضخيمه إلى تحالف خفي. إنه لحظة سياسية كاشفة، تُظهر هشاشة التوازنات داخل المعارضة، وتطرح على الفاعلين سؤالًا أبعد من القانون نفسه: كيف تُدار المعارك الكبرى دون “قنابل كرتونية”، ودون استهانة بذكاء الرأي العام، ودون تحويل المؤسسات إلى مجرد أدوات في صراع المواقع؟