رواتب، مشاريع، ورؤى: قراءة في موقع وليد الركراكي داخل هرم التدريب الإفريقي

0
79

ما الذي تقوله رواتب مدربي إفريقيا… وما الذي تُخفيه؟

حين تنشر مجلة «فوت أفريكا» قائمة أعلى عشرة مدربين أجراً في كرة القدم الإفريقية، لا تكون بصدد ترتيبٍ ماليٍّ محض، بقدر ما تفتح نافذة جانبية على فلسفاتٍ متباينة في تدبير الكرة داخل القارة. الأرقام هنا ليست مجرد رواتب، بل إشارات سياسية ورياضية واقتصادية، تحمل في طياتها أكثر مما تقوله صراحة.

في الصدارة، يظهر اسم فلاديمير بيتكوفيتش، مدرب المنتخب الجزائري، براتب شهري يناهز 135 ألف يورو. رقمٌ لا يمكن عزله عن السياق العام لاختيارات الاتحاد الجزائري، الذي يراهن بوضوح على «الخبرة الأوروبية» بوصفها طريقاً مختصراً نحو استعادة الحضور القاري ومحاولة تثبيت موقع دولي. الراتب المرتفع هنا ليس مكافأة بقدر ما هو استثمار عالي المخاطر، يفترض أن تُبرّره النتائج لا السيرة الذاتية وحدها.

المرتبة الثانية، التي يتقاسمها البلجيكي هوغو بروس مع مدرب كوت ديفوار إيمرس فاي (75 ألف يورو شهرياً)، تعكس منطقاً مختلفاً قليلاً: اتحادات تدفع كثيراً، لكنها تدفع بوعيٍ أكبر للتوازن بين التجربة والواقع المحلي. في جنوب إفريقيا وكوت ديفوار، يبدو الرهان على المدرب جزءاً من مشروع أشمل، لا مجرد رد فعل ظرفي على إخفاق عابر.

في هذا المشهد، يحضر وليد الركراكي كحالة خاصة. راتب يقارب 70 ألف يورو شهرياً يضع المدرب المغربي ضمن نخبة القارة، لكنه يظل محكوماً بسياق استثنائي: إنجاز تاريخي في كأس العالم، أعاد تعريف صورة المدرب المحلي وحدود ثقته بنفسه وبمنتخبه. هنا، لا يبدو الراتب تعبيراً عن «استيراد خبرة»، بل عن تثمين مسار، ومحاولة الحفاظ على توازن دقيق بين الاستمرارية والطموح.

بعد ذلك، تنخفض الأرقام، لكن الأسئلة لا تقل. إيريك شال (نيجيريا) وسيباستيان ديسابر (الكونغو الديمقراطية) برواتب تقارب 50 ألف يورو، يقدمان نموذجاً لما يمكن تسميته «الحدّ الوسط الإفريقي»: طموح رياضي مشروع، مقيد بإمكانات مالية لا تسمح بالمغامرة القصوى ولا بالزهد الكامل. اختيار محسوب، لا يَعِد بالكثير، لكنه لا يبرر القليل.

وتزداد المفارقة حين نصل إلى مدربين مثل جيمس كواسي أبياه في السودان (48 ألف يورو)، أو حسام حسن في مصر (30 ألف يورو). في الحالة المصرية تحديداً، يثير الرقم تساؤلات أكثر مما يقدم أجوبة. فكيف لثقل كروي تاريخي، لطالما قدّم نفسه كقوة قارية، أن يضع مدرب منتخبه في خانة الأجور المتوسطة؟ هل هو رهان على «الانتماء المحلي»؟ أم تعبير عن أولويات مالية مختلفة؟ أم مجرد انعكاس لمرحلة انتقالية لم تُحسم معالمها بعد؟

أما ذيل الترتيب، حيث يظهر غيرنوت روهر في بنين (25 ألف يورو) وتوم سانتفيت في مالي (20 ألف يورو)، فيكشف وجهاً آخر لكرة القدم الإفريقية: اتحادات تعمل تحت سقف موارد محدود، وتفاوض أكثر مما تختار، وتُدير الطموح بمنطق الممكن لا المرغوب. هنا، يصبح المدرب جزءاً من معادلة صمود، لا مشروع تتويج.

في المحصلة، لا تقول هذه القائمة من هو الأفضل، ولا من سيحقق الألقاب. لكنها تطرح سؤالاً أكثر عمقاً: هل المال في الكرة الإفريقية أداة لبناء مشروع، أم مجرد رد فعل على ضغط الجمهور والنتائج؟ وهل تعكس الرواتب رؤية طويلة المدى، أم تفاوتاً بنيوياً بين اتحادات لم تتفق بعد على معنى «الاستثمار الرياضي»؟

أرقام «فوت أفريكا» لا تجيب. لكنها تلمّح. والباقي، كما هو الحال دائماً في كرة القدم الإفريقية، يُحسم فوق العشب… وخارجه.