بين الثقة والحذر: ماذا يخفي هدوء الركراكي قبل مباراة الخروج؟

0
259

قبل تنزانيا… خطاب التواضع وإدارة التفاصيل الدقيقة
قراءة تحليلية في الندوة الصحفية لوليد الركراكي وغانم سايس

في الندوة الصحفية التي سبقت مواجهة المنتخب الوطني أمام تنزانيا، لم يكن الجديد في التصريحات بقدر ما كان في طريقة تقديمها، ونبرة الخطاب التي اختارها وليد الركراكي وغانم سايس في لحظة حساسة من البطولة، حيث يتحول التفوق النظري إلى عبء نفسي إن لم يُحسن تدبيره.

منذ الدقائق الأولى، بدا أن الرسالة الأساسية واحدة: هذه مباراة خروج مغلوب، وكل ما قبلها لا يمنح أي امتياز إضافي. الركراكي تحدث عن “بطولة جديدة” تبدأ من دور ثمن النهائي، في محاولة واضحة لفصل مرحلة دور المجموعات – مهما كانت نتائجها – عن منطق الحسابات المقبلة. هذا الفصل ليس تقنيًا فقط، بل ذهني أيضًا، ويعكس إدراكًا مبكرًا لواحدة من أعقد إشكالات كرة القدم الإفريقية: وهم الأفضلية.

بين الضغط العالي وإدارة الإرهاق

عند سؤاله عن كثافة الضغط الذي يمارسه المنتخب، لم ينف الركراكي وجود مخاطرة بدنية، بل اعترف بها ضمنيًا، متحدثًا عن ضرورة التدخل بالتغييرات في الوقت المناسب للحفاظ على الطاقة. هنا، يظهر انتقال المنتخب من فريق “ينتظر ويرد الفعل” إلى فريق “يبادر ويفرض الإيقاع”، وهو تحول استراتيجي يحمل مكاسب هجومية، لكنه يفرض في المقابل تحديات بدنية مع تقدم الأدوار.

اللافت أن المدرب ربط هذا الأسلوب بنتائج متأخرة في المباريات، مشيرًا إلى أن الحفاظ على الكثافة غالبًا ما يمنح التفوق في الدقائق الأخيرة. في هذا التصور، لا يكون الإرهاق عيبًا بقدر ما يصبح عنصرًا يجب التحكم فيه، لا الخوف منه.

إبراهيم دياز… نجم داخل منظومة لا فوقها

في حديثه عن إبراهيم دياز، حرص الركراكي على نزع أي طابع “خلاص فردي” عن اللاعب، رغم إشادته الواضحة بتطوره وتأقلمه مع النسق الإفريقي. الرسالة هنا مزدوجة: الاعتراف بقيمة اللاعب، وفي الوقت نفسه تحصين المجموعة من رهان اللاعب الواحد.

التأكيد على أن “الخطر يمكن أن يأتي من أي لاعب” لا يبدو تصريحًا إنشائيًا، بل ردًا استباقيًا على خطاب إعلامي قد يحمّل دياز أكثر مما يحتمل. في هذا السياق، يصبح النجاح الفردي مقبولًا فقط عندما يُترجم إلى فائدة جماعية.

غانم سايس… القيادة كوظيفة ذهنية

مداخلة غانم سايس لم تركز على الجاهزية البدنية بقدر ما ركزت على الدور المعنوي داخل المجموعة. حديثه عن العمل النفسي بعد الإصابة، وعن “اختيار الكلمات المناسبة” لشد أزر اللاعبين، يكشف تصورًا للقيادة يتجاوز المشاركة في التشكيلة الأساسية.

قبوله المعلن بفكرة عدم اللعب، مقابل التشديد على جاهزيته عند الحاجة، يعكس خطابًا جماعيًا منسجمًا مع توجه الطاقم التقني: اللاعب ليس مركز المشروع، بل جزء من توازنه.

تنزانيا… الخصم الذي لا يجب التقليل منه

عندما وُصفت تنزانيا بأنها “فريق من درجة ثانية”، جاء رد الركراكي حاسمًا في اتجاه واحد: التواضع كخيار استراتيجي. استحضاره لتاريخ المغرب في كأس إفريقيا، وتحديدًا إخفاقات ارتبطت بغياب هذا التواضع، لم يكن مجرد تذكير بالماضي، بل توظيفًا له كأداة تربوية داخل البطولة.

المدرب لم يُغفل الإشارة إلى تطور البنية التحتية والدوري التنزاني، في خطاب يبدو موجهًا بقدر ما هو للإعلام، للاعبين أنفسهم، حتى لا يتحول الامتلاء الجماهيري (ستون ألف متفرج) إلى ضغط سلبي.

التفاصيل الصغيرة: حكيمي، الإصابات، وضربات الجزاء

في ملف أشرف حكيمي، حافظ الركراكي على الغموض المحسوب، مؤكدًا جاهزيته البدنية دون الالتزام بإشراكه أساسيًا. القرار، كما قال، مرتبط برغبته في لاعب “بكامل إمكاناته”، وهي عبارة تختزل فلسفة إدارة العائدين من الإصابة.

أما ضربات الجزاء، فتم التعامل معها باعتبارها احتمالًا واردًا لا هاجسًا خانقًا. الاعتراف بعدم وجود “حقيقة مطلقة” في هذا الجانب، مقابل التأكيد على العمل الذهني وإدارة الانفعالات، يعكس مقاربة واقعية لا تَعِد بالسيطرة، لكنها ترفض الاستسلام.

ما بين المعلن والمسكوت عنه

ما لم يُقل صراحة في هذه الندوة، ربما لا يقل أهمية عما قيل. هناك حرص واضح على خفض منسوب التوقعات دون إنكار الترشيح، وعلى تحويل الضغط الخارجي إلى انضباط داخلي. الخطاب لا يعد بالكأس، لكنه يصر على العقلية، ولا يقلل من المنافس، لكنه لا يضخم المخاوف.

في المحصلة، تكشف الندوة عن منتخب يحاول إدارة البطولة بعقل بارد، مدركًا أن كأس إفريقيا لا تُحسم بالأسماء ولا بالتصريحات، بل بالقدرة على قراءة كل مباراة كما لو كانت الأولى… وربما الأخيرة.