أمطار الخير… هل تصل إلى موائد المغاربة أم تتوقف عند بوابات السدود؟

0
194

فرضت التساقطات المطرية الأخيرة نفسها بقوة على أقاليم جهة طنجة–تطوان–الحسيمة، حاملة معها مشاهد طال انتظارها بعد سنوات من الجفاف وتراجع الموارد المائية. جداول امتلأت، وديان عادت للجريان، وسدود بلغت نسب ملء مريحة، بل إن بعضها سجل الامتلاء الكامل، خصوصًا بحوض اللوكوس الذي يُعد من أهم الأحواض الفلاحية بالمغرب.

على المستوى التقني، تبدو الصورة مطمئنة. فالمعطيات الرسمية وتصريحات الفاعلين في القطاع تجمع على أن هذه الأمطار أعادت التوازن نسبيًا للموسم الفلاحي، وأنها أنعشت الفرشة المائية وحسّنت رطوبة التربة، وفتحت المجال أمام الزراعات الربيعية، خاصة القطاني والذرة وبعض الزراعات العلفية.

غير أن هذا الارتياح، الذي يسود دوائر القرار والمهنيين، يطرح سؤالًا أعمق يتجاوز لغة النسب والمؤشرات: هل ستنعكس هذه الأمطار فعلًا على الحياة اليومية للمغاربة؟

بين وفرة الماء وغلاء المعيشة

في الأسواق، لا تزال أسعار الخضر والمواد الأساسية بعيدة عن منطق “سنة الخير”. البصل الذي تجاوز عتبة عشرة دراهم، والبطاطس، والقطاني، واللحوم… كلها مؤشرات تُبقي المواطن في مواجهة مباشرة مع الغلاء، رغم الحديث عن موسم فلاحي واعد.

هنا يظهر التباين بين المعلن والمسكوت عنه: فالأمطار، مهما بلغت أهميتها، لا تتحول تلقائيًا إلى انخفاض في الأسعار، خصوصًا في ظل بنية فلاحية تغيّرت جذريًا خلال السنوات الأخيرة.

من الفلاحة القريبة من الفقير إلى فلاحة الرأسمال

لم تعد الفلاحة في المغرب، كما كانت سابقًا، قائمة على الفلاح الصغير الذي يزرع هكتارًا أو نصف هكتار، ويؤمن جزءًا من حاجياته وحاجيات محيطه القريب. هذا النموذج، الذي كان يشكل صمام أمان اجتماعيًا، تراجع لصالح فلاحة كبرى تملكها رؤوس أموال ضخمة، وتوجه إنتاجها أساسًا نحو التصدير أو الزراعات ذات القيمة التجارية العالية.

في هذا السياق، تصبح مياه السدود – رغم أنها “ماء الله” – مرتبطة بمنطق الكلفة. فالسقي من المنشآت المائية لا يتم مجانًا، وتُتداول في الأوساط الفلاحية أرقام مرتفعة لتكلفة ساعة السقي، ما يجعل الاستفادة الحقيقية من هذه الموارد حكرًا على من يستطيع تحمل الأعباء المالية، وليس على الفلاح الصغير أو المتوسط.

أي أثر اجتماعي للأمطار؟

اللافت أن الخطاب الفلاحي الرسمي يركز، في الغالب، على الإنتاج والمردودية، دون أن يوازيه نقاش صريح حول العدالة المائية والعدالة الغذائية. فالسؤال لم يعد فقط: هل لدينا ماء؟ بل:

  • من يستفيد من هذا الماء؟

  • ولأي نوع من الفلاحة يُوجَّه؟

  • وهل سيشعر المواطن العادي، في نهاية السلسلة، بانعكاس هذا “الخير” على قدرته الشرائية؟

خلاصة مفتوحة

لا شك أن التساقطات المطرية الأخيرة تشكل نعمة إلهية وفرصة حقيقية لإنعاش القطاع الفلاحي بعد سنوات صعبة. لكن تحويل هذه الفرصة إلى تحسن ملموس في عيش المغاربة يظل رهينًا باختيارات بنيوية، تتعلق بنموذج الفلاحة، وسياسة الماء، وربط الإنتاج بالسوق الداخلية، لا فقط بمنطق السدود والأرقام.

بين فرحة السماء وتساؤلات الأرض، يبقى الجواب معلقًا:هل ستكون هذه الأمطار نقطة تحول في معيش المواطن، أم مجرد موسم جيد في دفاتر الإحصاء؟