قيوح يقرّ بمرحلة “حرجة” في السلامة الطرقية… أرقام ثقيلة تضع الاستراتيجية الوطنية على محك التقييم

0
162

قدّم عبد الصمد قيوح، وزير النقل واللوجيستيك، خلال ترؤسه اجتماع اللجنة الدائمة للسلامة الطرقية، توصيفًا غير مسبوق لوضع السلامة الطرقية في المغرب، واصفًا إياه بمرحلة “خطيرة ودقيقة”، في إقرار رسمي بأن المؤشرات الحالية لا تسير في الاتجاه الذي وُعد به منذ إطلاق الاستراتيجية الوطنية للسلامة الطرقية 2017–2026.

ولم يكن توصيف الوزير معزولًا عن معطيات رقمية صادمة، إذ كشفت المعطيات التي عرضها عن ارتفاع ملحوظ في عدد ضحايا حوادث السير خلال الأحد عشر شهرًا الأولى من سنة 2025، بنسبة 25.7 في المائة مقارنة بالفترة نفسها من سنة 2024، ليبلغ عدد القتلى 4160 شخصًا، فيما ارتفعت الإصابات البليغة بنسبة 13.5 في المائة، مسجلة 9560 إصابة خطيرة. وهي أرقام تضع الحصيلة السنوية في خانة الأسوأ خلال السنوات الأخيرة.

هذه المعطيات لا تكتفي بعكس اختلال ظرفي أو تعثر مرحلي، بل تعيد طرح سؤال نجاعة سياسة عمومية استمر العمل بها لما يقارب عقدًا كاملًا، رُصدت خلالها ميزانيات مهمة، وأُحدثت مؤسسات وهيئات، وتكررت وعود بإصلاح “هيكلي” لمنظومة السلامة الطرقية، دون أن ينعكس ذلك على المؤشر الأكثر حساسية: إنقاذ الأرواح.

وفي هذا السياق، بدا اجتماع اللجنة الدائمة للسلامة الطرقية، التي يُفترض أن تشكل فضاءً للتقييم والتتبع، أقرب إلى لحظة تشخيص متأخر لحصيلة ثقيلة، أكثر منه محطة مساءلة صريحة للخيارات السابقة. فالوزير، وإن أقر بخطورة الوضع، اختار توجيه النقاش نحو المستقبل، من خلال الإعلان عن إعداد استراتيجية جديدة للفترة 2026–2030، قُدّمت باعتبارها مراجعة شاملة لتحديات المرحلة الماضية.

وبحسب عرض الوزير، فإن الاستراتيجية المرتقبة تستند إلى دراسة أنجزتها الوزارة والوكالة الوطنية للسلامة الطرقية بشراكة مع مختلف المتدخلين، وتهدف إلى تجاوز اختلالات المرحلة السابقة عبر مخطط عمل مفصل، يحدد الموارد والآجال ومؤشرات التتبع والتقييم، مع تعزيز إشراك الجهات والسلطات المحلية والمنتخبين.

غير أن قراءة محاور هذه الاستراتيجية تكشف عن استمرار نفس العناوين الكبرى التي شكّلت جوهر الاستراتيجية السابقة، من قبيل تحسين البنيات التحتية، وتعزيز سلامة المركبات، وتعديل سلوك مستعملي الطريق، وتطوير منظومة التدخل بعد الحوادث. وهو ما يثير تساؤلًا مشروعًا حول ما إذا كان التغيير المعلن يطال جوهر المقاربة، أم يقتصر على إعادة ترتيب الأدوات والخطاب.

وفي هذا الإطار، شدد الوزير على تقوية حكامة الوكالة الوطنية للسلامة الطرقية، وتطوير أدوات رقمية لتتبع المشاريع، وتفعيل اللجان الجهوية باعتبارها رافعة أساسية للتنزيل الترابي. غير أن هذه الوعود التقنية تعيد إلى الواجهة مفارقة لافتة، مفادها أن جزءًا كبيرًا من هذه الآليات كان قائمًا بالفعل خلال السنوات الماضية، دون أن يمنع ذلك من الوصول إلى حصيلة بشرية مقلقة.

ومن ثم، فإن النقاش الذي يفرض نفسه اليوم لا يتعلق فقط بإطلاق استراتيجية جديدة، بقدر ما يرتبط بمدى جدية تقييم السياسات العمومية السابقة، وحدود فعالية المؤسسات المحدثة، وطبيعة اختلالات الحكامة التي أقر بها الخطاب الرسمي بشكل غير مباشر.

فالوزير، وهو يدعو في ختام الاجتماع إلى تعبئة شاملة وتوفير الموارد وإشراك جميع المتدخلين، يقر ضمنيًا بأن الخلل لم يكن محصورًا في سلوك السائقين أو حالة الطرق، بل يمتد إلى منظومة التدبير نفسها، بما تحمله من تداخل في المسؤوليات وضعف في التتبع والمساءلة.

وبين المعلن والمسكوت عنه، تظل الحقيقة الأبرز التي كشفتها الأرقام هي أن آلاف الأرواح أُزهقت رغم الاستراتيجيات والبرامج، ما يجعل سؤال المحاسبة السياسية والتقييم المستقل للسياسات العمومية أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى. وإلى أن يُفتح هذا النقاش بوضوح، سيبقى توصيف “المرحلة الدقيقة” حاضرًا في الخطاب الرسمي، بينما يظل نزيف الطرق أحد أكثر مؤشرات الفشل إيلامًا في السياسات العمومية.