اللغة التقريرية وحدود السؤال المؤجل
يفتتح عبدالرحيم الرماح مقاله بلغة تقريرية واثقة، تُقدّم الحماية الاجتماعية كحقيقة بديهية غير قابلة للنقاش، لا كمجال صراع سياسات أو توازنات مصالح. هذه اللغة، على هدوئها، تُزيح السؤال الجوهري من موقعه الطبيعي: لماذا، رغم الدستور والتوجيهات الملكية، لا يتحقق التعميم؟ فالرماح يُراكم الجمل التفسيرية دون أن يسمح للغة بالتحول إلى أداة مساءلة. هنا تتحول اللغة من وسيلة كشف إلى أداة تطبيع مع اختلالٍ يُقدَّم كـ«ملاحظة» لا كأزمة بنيوية.
الاحتجاج بالدستور دون مساءلة السلطة
يستدعي عبدالرحيم الرماح الفصل 31 من الدستور والتوجيهات الملكية، لكن هذا الاستدعاء يتم بوصفه مرجعية أخلاقية عامة، لا أداة محاسبة سياسية أو قانونية. فالخطاب يُظهر فجوة بين النص والتطبيق، لكنه يتجنب تحديد من يتحمل مسؤولية هذه الفجوة. وبهذا، تتحول الإحالة الدستورية إلى عنصر تزييني يعزز شرعية الخطاب، دون أن يزعزع مراكز القرار أو يضعها موضع سؤال.
منطق التضامن وتغييب اختلال ميزان القوة
حين يتحدث عبدالرحيم الرماح عن مبدأ “التضامن بين طرفي الإنتاج”، فإنه يُعيد إنتاج تصور مثالي لعلاقة غير متكافئة في الواقع. فاللغة تُساوي ضمنيًا بين الأجير والمشغّل، متجاهلة اختلال ميزان القوة، وضعف أدوات التفاوض لدى الأجراء، خاصة في القطاعات الهشة. هذا التجريد الأخلاقي للتضامن يُفرغ المفهوم من بعده الصراعي، ويجعله أقرب إلى خطاب توفيقي منه إلى تحليل اجتماعي نقدي.
الأرقام كمعطى هيكلي لا كفضيحة سياسية
يعرض عبدالرحيم الرماح رقم سبعة ملايين أجير غير مصرح بهم باعتباره “معطى هيكلي”، وهو توصيف يحمل دلالة عميقة: تحويل الخلل من مسؤولية سياسات ومؤسسات إلى حالة شبه طبيعية. اللغة هنا تُجنّب الرقم صفته الصادمة، وتمنعه من التحول إلى سؤال سياسي أو اجتماعي حاد حول جدوى المراقبة، وفعالية العقوبات، وحدود التواطؤ الصامت.
تفكيك القطاعات: الوصف بدل التشريح
عند استعراضه لمختلف القطاعات، يعتمد عبدالرحيم الرماح تقنية التعداد الواسع، ما يمنح النص شمولية ظاهرية. غير أن هذا التعداد، رغم دقته، يظل وصفًا أفقيًا لا تشريحًا عموديًا. فالخلل يُعرض في كل قطاع بوصفه ظاهرة متكررة، دون تحليل خاص لطبيعة كل قطاع، أو لاختلاف علاقات الإنتاج داخله، أو لدور الدولة في دعمه أو غض الطرف عنه.
الدولة الحاضرة الغائبة
في حديثه عن التفتيش والحوار الاجتماعي، يضع عبدالرحيم الرماح الدولة في موقع الوسيط التقني، لا الفاعل السياسي. فالتقصير يُنسب إلى ضعف التنسيق أو غياب اللجان، لا إلى اختيارات عمومية أو أولويات اقتصادية. بهذا، يُعاد إنتاج صورة دولة محايدة، رغم أن السياسات العمومية نفسها تُسهم أحيانًا في تعميق الهشاشة عبر المرونة المفرطة أو الإعفاءات غير المشروطة.
الحوار الاجتماعي كحل افتراضي
يراهن عبدالرحيم الرماح على الحوار الاجتماعي واللجان الثلاثية بوصفها مدخلًا أساسيًا للإصلاح. غير أن الخطاب يتعامل مع الحوار كآلية تقنية، لا كفضاء صراع مصالح. يغيب السؤال حول موازين القوة داخل هذا الحوار، وحول تمثيلية الفاعلين، وحول حدود التوافق حين يتعلق الأمر بحقوق اجتماعية أساسية لا تقبل المساومة.
الخاتمة المفتوحة… ولكن المؤطرة
يختتم عبدالرحيم الرماح مقاله بالحديث عن “الدولة الاجتماعية”، وهو مفهوم ذو حمولة رمزية قوية في السياق المغربي الراهن. غير أن هذا الختام، رغم طابعه التفاؤلي، يظل مؤطرًا بمنطق التدرج والإمكان، لا بمنطق الاستحقاق والحق. فالدولة الاجتماعية تُقدَّم كأفق أخلاقي بعيد، لا كالتزام فوري قابل للقياس والمساءلة.
أسئلة يتركها النص مفتوحة دون أن يطرحها صراحة:
-
هل الخلل في القوانين أم في الإرادة السياسية لتطبيقها؟
-
إلى أي حد يمكن للحوار الاجتماعي أن يعوّض ضعف المراقبة والعقاب؟
-
هل تُبنى الدولة الاجتماعية بالتدرج التقني أم بالقرارات السيادية الجريئة؟


