نهاية أخنوش السياسية… حين يُعلَن الانسحاب قبل الهزيمة

0
133

حين أعلن عزيز أخنوش، وبصيغة حاسمة، عدم ترشحه لولاية جديدة على رأس حزب التجمع الوطني للأحرار، وحرص على وصف القرار بأنه «شخصي ولا رجعة فيه»، لم يكن بصدد إخبار الرأي العام بنهاية مهمة حزبية بقدر ما كان يعلن، ضمنيًا، نهاية مرحلة سياسية أثقلت الحزب والدولة معًا.

فالسياسة لا تُقرأ من خلال التصريحات وحدها، بل من خلال توقيتها، وسياقها، وما تحاول استباقه أو تفاديه. وفي حالة أخنوش، لا يبدو القرار معزولًا عن مسار بدأ يتشكّل منذ صيف السنة الماضية، حين بدأت تتآكل شرعيته السياسية داخل الحزب وخارجه، وتراجعت قدرته على التحكم في الإيقاع السياسي العام.

انسحاب وقائي لا خيار ديمقراطي

في الظاهر، يبدو الإعلان ممارسة ديمقراطية طبيعية داخل حزب سياسي. لكن في العمق، هو انسحاب وقائي فرضته كلفة سياسية ورمزية باتت مرتفعة، ولم يعد بالإمكان الاستمرار في تحمّلها. فالحكومة التي يقودها أخنوش راكمت إخفاقات اجتماعية وتواصلية واضحة، وارتبط اسم رئيسها بسلسلة من القضايا التي أضعفت الثقة الشعبية، من تضارب المصالح إلى سوء تدبير الأزمات، مرورًا بتصريحات غير محسوبة غذّت الاحتقان بدل امتصاصه.

رئيس حكومة بصلاحيات سياسية متآكلة

الإعلان المبكر عن مغادرة رئاسة الحزب قبل نهاية الولاية الحكومية يكرّس واقعًا غير معلن: أخنوش بات يشتغل سياسيًا كرئيس حكومة محدود الظهير، ضعيف السند الحزبي، وأقرب إلى وضعية تصريف الأعمال السياسية منه إلى قيادة مشروع إصلاحي متماسك. فالسلطة السياسية الفعلية لا تُقاس بالموقع الدستوري فقط، بل بمدى القدرة على التأطير والإقناع، وهذان العاملان شهدا تراجعًا واضحًا.

خليفة مُعَدّ سلفًا

الأخطر في هذا المسار ليس قرار الانسحاب في حد ذاته، بل الطريقة التي جرى بها. فالحديث عن «قرار شخصي» يخفي حقيقة أن اسم الخليفة تم الحسم فيه داخل دائرة ضيقة جدًا، ما يطرح أسئلة محرجة حول الديمقراطية الداخلية داخل حزب ظل يُسوّق لنفسه كحزب المؤسسات لا حزب الأشخاص.

الأسماء المتداولة لا تخرج عن نفس النخبة التي أدارت المرحلة السابقة، ما يعني أن التغيير، إن حصل، سيكون شكليًا أكثر منه جوهريًا.

محاولة لفصل الحزب عن عبء أخنوش

يبدو الإعلان أيضًا محاولة واضحة لإعادة تعويم حزب «الأحرار» انتخابيًا، عبر الفصل الرمزي بين الحزب وأخنوش. فالحزب ارتبط خلال السنوات الأخيرة بصورة سلبية غير مسبوقة: اعتقالات في صفوف منتخبين وبرلمانيين، شبهة تضارب مصالح، وسياسات حكومية وُصفت بأنها أتت على الأخضر واليابس اجتماعيًا.

ومن هنا، يصبح الإعلان المبكر بمثابة تمهيد نفسي للرأي العام: أخنوش سيغادر، والحزب سيُمنح فرصة جديدة، حتى وإن ظل جوهر الاختيارات على حاله.

ضغط السياسة أكثر من قناعة الذات

رغم الإصرار على الطابع «الشخصي» للقرار، فإن شخصية أخنوش السياسية لا توحي بميل إلى المبادرة الحرة أو القرارات العاطفية. لذلك، يصعب فصل هذا الانسحاب عن الضغط المتراكم: إعلامي، سياسي، وشعبي، غذّته هفوات تواصلية، وتقديرات خاطئة لموازين القوى، وتصريحات لم تُحسب مآلاتها داخل بنية مؤسساتية معقدة.

حزب يعود إلى حجمه الطبيعي

ما بعد أخنوش، لن يكون كما قبله. فحزب التجمع الوطني للأحرار مرشح للعودة إلى حجمه الانتخابي الطبيعي، خاصة مع انسحاب الأعيان الذين ارتبط حضورهم بالدعم المالي والنفوذ السياسي. ومع سجل حكومي مثقل بالقرارات اللاشعبية، سيكون الحزب أمام امتحان صعب لاستعادة ثقة ناخبين لم ينسوا بسهولة.

الخلاصة

إعلان أخنوش عدم الترشح ليس لحظة شجاعة سياسية كما قد يُقدَّم، بل إدارة ذكية للخسارة قبل أن تتحول إلى هزيمة كاملة. هو إعلان نهاية مرحلة، لا بدايتها، ومحاولة لتقليل الأضرار أكثر من فتح أفق جديد.

أما السؤال الحقيقي، فلم يعد: من سيقود حزب «الأحرار»؟
بل: هل يستطيع الحزب النجاة من الإرث السياسي لأخنوش؟