حين تتحوّل الأرقام إلى خطاب: قراءة في سردية “تهريب 600 مليار درهم”

0
135

في منشور لافت على موقع فيسبوك، أعاد الخبير والناشط أيوب الرضواني فتح ملفٍ ثقيل الظل في النقاش العمومي المغربي: نزيف الأموال عبر التلاعب بالفواتير وتهريب الرساميل.
رقم ضخم يتصدر الخطاب: 600 مليار درهم قيل إنها غادرت البلاد بين 2009 و2018، وفق تقديرات منظمة Global Financial Integrity.

لكن، بعيدًا عن قوة الرقم وإيقاعه الصادم، يطرح السؤال الصحافي نفسه: ماذا تقول هذه الأرقام فعلًا؟ وكيف تُستعمل؟ وما الذي تكشفه… أو تُخفيه؟

الأرقام: بين التقدير والواقع المؤسسي

الرقم الذي يستند إليه الرضواني ليس رقمًا حكوميًا رسميًا، بل تقدير صادر عن منظمة غير حكومية تعتمد على تحليل فجوات التجارة الخارجية، أي مقارنة ما تصرّح به دولة ما عند التصدير أو الاستيراد بما تصرّح به الدول الشريكة.

هذه المنهجية، المعتمدة دوليًا، لا تقيس “السرقة” بالمعنى القانوني، بل تقدّر حجم الاختلالات المحتملة الناتجة عن:

  • المبالغة في الفوترة

  • التقليل المتعمد من قيمة السلع

  • استغلال الثغرات الجمركية والضريبية

بمعنى آخر، نحن أمام تقدير اقتصادي لا أمام حكم قضائي، وهو فارق جوهري غالبًا ما يضيع في التداول العمومي.

الفواتير الوهمية: ظاهرة بنيوية لا حدثًا عابرًا

ما يلفت في هذا الخطاب ليس فقط حجم الرقم، بل الآلية التي يُنسب إليها النزيف: الفواتير الوهمية. وهي آلية لم تعد سرًا في النقاش الاقتصادي، بل أقرّت المؤسسات الرسمية نفسها بخطورتها، من خلال:

  • تقارير المديرية العامة للضرائب

  • إحالة ملفات على القضاء

  • الحديث عن شبكات منظمة تستغل شركات صورية

غير أن هذا الاعتراف المؤسسي لا يعني بالضرورة تطابق الأرقام، بل يكشف عن فجوة مستمرة بين ما يُرصد رسميًا وما يُقدَّر دوليًا، وهي فجوة تفتح الباب للتأويل، لا للجزم.

2013–2014: حين يُستدعى السياق السياسي

يشير منشور الرضواني إلى سنتي 2013 و2014، ويقدّر الأموال المهربة خلالهما بـ16.6 مليار دولار، رابطًا ذلك بما سماه “مرحلة انتقالية” ظنّ فيها المتورطون بإمكانية المساءلة.

هنا، لا بد من التوقف عند طريقة ربط الاقتصادي بالسياسي:

  • هل كانت تلك المرحلة فعلًا استثنائية من حيث التهريب؟

  • أم أن استحضارها اليوم يخدم بناء سردية أخلاقية حول “الفرصة الضائعة”؟

الصحافة، في هذا المقام، لا تُكذّب ولا تُصادق، بل تسأل: هل تغيّرت البنية؟ أم تغيّر فقط الخطاب حولها؟

ما بعد 2015: خطاب الانتكاس أم انتكاس الخطاب؟

حين يتحدث الرضواني عن “عودة الريع بعد 2015”، فهو لا يقدم معطيات رقمية جديدة، بل حكمًا سياسيا ضمنيًا.

وهنا تظهر حدود الخطاب الناشط، مقابل وظيفة التحليل الصحافي:

  • لا يمكن الجزم بعودة أو تراجع التهريب دون بيانات مقارنة

  • ولا يمكن تحميل مرحلة زمنية كاملة مسؤولية ظاهرة بنيوية

لكن في المقابل، لا يمكن تجاهل أن تراجع النقاش العمومي حول العدالة الجبائية بعد تلك المرحلة جعل الملف أقل حضورًا، وإن لم يكن أقل خطورة.

بين الرقم والوعي: ما الذي يبقى؟

بعيدًا عن دقة الأرقام من عدمها، ينجح خطاب الرضواني في أمر أساسي: إعادة طرح سؤال الوعي الاقتصادي.

ليس السؤال:

  • هل 600 مليار رقم صحيح أم مبالغ فيه؟

بل:

  • لماذا لا نملك أرقامًا رسمية مفصلة ومُحينة؟

  • ولماذا يظل الاقتصاد الموازي والتهرب الضريبي موضوعًا موسميًا؟

  • ومن المستفيد من بقاء الغموض؟

هنا فقط، يتحوّل الرقم من أداة إثارة إلى مدخل للتفكير الجماعي.

خلاصة «المغرب الآن»

ما بين تقارير دولية، واعترافات مؤسسية، وخطاب ناشط غاضب، يقف القارئ أمام حقيقة واحدة: المال العام لا يُحمى بالشعارات، بل بالشفافية والمعطيات الدقيقة والمساءلة المستمرة.

وإذا كانت المعركة، كما يقول الرضواني، “معركة وعي”، فإن أول شروط هذا الوعي هو التمييز بين التقدير والحقيقة، وبين النقد والإدانة، وبين السؤال والاتهام.

وهي معركة لا تُحسم بالأرقام وحدها، بل بقدرتنا على قراءتها بذكاء.