بلاغ ملكي يوم السبت وإعلان أخنوش يوم الأحد: هل نحن أمام مجرد تزامن زمني أم مؤشرات ترتيب سياسي أوسع؟

0
145

في أقل من أربعٍ وعشرين ساعة، وجد الرأي العام المغربي نفسه أمام حدثين ثقيلين في الدلالة: بلاغ طبي رسمي، صدر يوم السبت، يعلن أن الملك محمد السادس يعاني من آلام في أسفل الظهر تستدعي فترة راحة وظيفية، تلاه مباشرة، يوم الأحد، إعلان رئيس الحكومة ورئيس حزب التجمع الوطني للأحرار، عزيز أخنوش، عدم ترشحه لولاية ثالثة على رأس الحزب.

تزامن زمني مكثف، لا يمكن تجاهله.

ليس لأنه يحمل بالضرورة علاقة سببية مباشرة بين الحدثين، فذلك ادعاء لا سند له، ولا لأن البلاغ الطبي الملكي، في حد ذاته، محل أي تشكيك، بل لأن السياسة، بطبيعتها، لا تُقرأ فقط عبر الوقائع المعزولة، بل من خلال إيقاع الأحداث، وتوقيتاتها، وما تفتحه من أسئلة مشروعة.

من هنا، يصبح السؤال مشروعًا: هل نحن أمام صدفة زمنية بحتة؟ أم أن هذا التزامن يعكس بداية مرحلة إعادة ترتيب أوسع داخل المشهد السياسي المغربي؟

أخنوش: من رجل أعمال نافذ إلى واجهة سياسية

عزيز أخنوش ليس شخصية سياسية كلاسيكية تشكلت داخل رحم العمل الحزبي أو النضال السياسي الطويل. هو، في الأساس، رجل أعمال من الطراز الثقيل، مصنف ضمن كبار الأثرياء، وفاعل اقتصادي بارز في قطاع المحروقات، قبل أن يدخل الحياة الحكومية سنة 2007 وزيرًا للفلاحة، في إطار ما كان يُقدَّم آنذاك كاختيار تكنوقراطي قائم على الكفاءة التقنية.

منذ ذلك التاريخ، ظل أخنوش حاضرًا في الحكومات المتعاقبة، باختلاف ألوانها السياسية، في مسار لافت للاستمرارية، يطرح – موضوعيًا – أكثر من سؤال حول طبيعة موقعه داخل معادلة السلطة.

المنعطف الحقيقي في مساره لم يكن حكوميًا، بل حزبيًا، سنة 2016، حين جرى وضعه على رأس حزب التجمع الوطني للأحرار، دون أن يمر عبر المسار التنظيمي التقليدي داخل الحزب، ودون أن يكون نتاج صعود داخلي تدريجي.

هنا، بالضبط، يبدأ البعد التحليلي في قراءة الرجل ودوره.

السياق السياسي لسنة 2016: لحظة القلق من الصعود الإسلامي

لفهم ما جرى، لا بد من استحضار السياق السياسي لتلك المرحلة.
حزب العدالة والتنمية، بقيادة عبد الإله بن كيران، كان في أوج قوته، متصدرًا المشهد الانتخابي، ومستفيدًا من دينامية ما بعد 2011، ومقبلًا على انتخابات تشريعية كانت كل المؤشرات تمنحه فيها الصدارة مجددًا.

هذا الصعود، كما تشير أدبيات علم السياسة، غالبًا ما يثير قلق مراكز القرار غير المنتخبة في الأنظمة التي لم تكتمل فيها آليات التداول الديمقراطي الكامل.

وهنا يظهر مفهوم “الدولة العميقة”، لا باعتباره نظرية مؤامرة، بل كمفهوم تحليلي متداول في العلوم السياسية، يُستخدم لوصف شبكات نفوذ غير مرئية تعمل خلف المؤسسات المنتخبة، وتؤثر في التوازنات الكبرى، دون أن تظهر في الواجهة.

في هذا الإطار التحليلي، يقرأ عدد من الباحثين والمحللين صعود أخنوش إلى قيادة حزب الأحرار باعتباره جزءًا من محاولة إعادة هندسة المشهد الحزبي، وبناء قطب سياسي قادر على موازنة – وربما كبح – نفوذ الإسلاميين.

من حزب إداري تقليدي إلى ماكينة انتخابية

التحول الذي عرفه حزب التجمع الوطني للأحرار بعد 2016 لم يكن تفصيلاً عابرًا. الحزب، الذي ظل لعقود يوصف بأنه حزب نخب اقتصادية وأعيان محليين، عرف تمددًا سريعًا، واستقطابًا واسعًا لمنتخبين من أحزاب أخرى، ودعمًا تنظيميًا وإعلاميًا غير مسبوق.

ثم جاء ما بعد انتخابات 2016، ومرحلة “البلوكاج” الحكومي، التي انتهت بإعفاء عبد الإله بن كيران من تشكيل الحكومة، في واقعة لا تزال إلى اليوم محل نقاش واسع حول حدود القرار الانتخابي في مقابل القرار السياسي.

وفي 2021، بلغ هذا المسار ذروته:
فوز كاسح لحزب الأحرار، وانهيار غير مسبوق لحزب العدالة والتنمية.

هل كان ذلك نتيجة طبيعية لأداء حكومي سيئ فقط؟
ربما جزئيًا.
لكن حجم الانهيار وسرعته يفتحان، مرة أخرى، باب التأويل والتحليل المشروع.

لماذا الآن؟ سؤال التوقيت

إعلان أخنوش عدم ترشحه لولاية ثالثة لا يمكن فصله عن سياقه الزمني.
المؤتمر الحزبي قريب.
باب الترشيحات فُتح بسرعة.

وتتزامن هذه التحركات مع حديث متداول عن مؤتمرات استثنائية داخل أحزاب أخرى توصف، تاريخيًا، بأنها قريبة من مراكز القرار.

هذا لا يرقى إلى مستوى الجزم بوجود “خطة خفية”، لكنه، مهنيًا، يسمح بطرح فرضية إعادة ترتيب الواجهة السياسية استعدادًا لاستحقاقات كبرى قادمة: انتخابات 2026، وتحديات تنظيم كأس العالم 2030، والحاجة إلى مشهد سياسي أكثر هدوءًا، وأقل احتقانًا، وأقرب إلى القبول الشعبي والدولي.

في هذا السياق، تبدو شعبية أخنوش وحكومته، كما تعكسها المؤشرات الاجتماعية والاحتجاجات المتفرقة، عبئًا أكثر منها رصيدًا.

تغيير الوجوه أم تغيير القواعد؟

التجربة السياسية المغربية، تاريخيًا، تُظهر أن تغيير الوجوه لا يعني بالضرورة تغيير المنظومة.
في كثير من الأحيان، يُستبدل الفاعل، بينما يبقى منطق التدبير نفسه.

من هنا، يصبح السؤال الحقيقي ليس: لماذا يرحل أخنوش؟

بل: ما الذي سيتغير بعده؟ وهل نحن أمام انتقال في الأشخاص أم في طريقة صناعة القرار؟

المواطن في قلب المعادلة… أم خارجها؟

وسط كل هذه التحولات، يظل موقع المواطن المغربي ملتبسًا.
القرارات تُعلن جاهزة.
والتحولات الكبرى تُدار في دوائر مغلقة.
بينما يُطلب من الرأي العام التفاعل، لا المشاركة.

لكن طرح الأسئلة، حتى دون أجوبة نهائية، يظل فعلًا سياسيًا مشروعًا. والتحليل، حين يلتزم الهدوء، ويبتعد عن الاتهام، ويُبقي الباب مفتوحًا للنقاش، ليس تهديدًا للاستقرار، بل شرطًا من شروط الوعي الجماعي.

تنويه مهني:

هذا المقال يندرج ضمن خانة الرأي والتحليل، ويعبر عن قراءة صحافية للسياق السياسي، دون ادعاء امتلاك معطيات غير معلنة أو نوايا مؤكدة لأي طرف.