المونديال والرهان التنموي: بين الخطاب الحكومي ودروس التجارب الدولية

0
152

حين أكد رئيس الحكومة عزيز أخنوش، من منصة دافوس، أن تنظيم كأس العالم 2030 سيضمن للمغاربة “ظروف عيش أفضل” وينعكس إيجابًا على الصحة والتعليم والبنيات التحتية، لم يكن يخرج عن خطاب عالمي شائع لدى الدول المرشحة أو المستضيفة للتظاهرات الكبرى. غير أن السؤال الجوهري لا يتعلق بالنوايا ولا بالوعود، بل بقدرة الأحداث الكبرى على التحول من لحظة احتفالية عابرة إلى رافعة تنموية مستدامة.

المونديال كأداة تسريع… لا كعصا سحرية

لا خلاف حول أن التحضير لكأس العالم يفرض تسريع مشاريع كبرى: طرق، سكك حديدية، مطارات، ملاعب، وشبكات خدمات. في هذا السياق، تبدو تصريحات رئيس الحكومة منسجمة مع منطق “التسريع عبر الحدث”، حيث يُستعمل المونديال كرافعة زمنية لتجاوز بطء المساطر وتعقيدات الإنجاز.

لكن التجارب الدولية تُظهر أن التسريع لا يعني بالضرورة التحسين المستدام. فالبنية التحتية قد تتطور، دون أن يواكبها بالضرورة تحسن متوازن في جودة العيش، إذا لم تُربط هذه المشاريع بحاجيات السكان اليومية وبمنطق العدالة المجالية.

البرازيل: حين تصطدم الأحلام بالواقع

قبل مونديال 2014، رُوّج في البرازيل لخطاب مشابه: فرص شغل، تحسين الخدمات، قفزة تنموية. لكن بعد إسدال الستار، ظهر وجه آخر للتجربة.

  • تكاليف ضخمة فاقت التوقعات

  • ملاعب تحولت إلى عبء مالي

  • احتجاجات شعبية طالبت بالصحة والتعليم بدل “الفرجة الكروية”

المشكلة لم تكن في الحدث ذاته، بل في أولوية الإنفاق وفي غياب رؤية تضمن استفادة المواطنين بعد صافرة النهاية.

جنوب إفريقيا وروسيا: مكاسب محدودة الأثر

في جنوب إفريقيا (2010)، تحسنت المطارات والطرق، لكن البطالة والفوارق الاجتماعية ظلت على حالها. وفي روسيا (2018)، انتعشت السياحة مؤقتًا، دون أن ينعكس ذلك بشكل هيكلي على رفاه المواطنين في المدن البعيدة عن المراكز الكبرى.

الدرس المشترك هنا واضح:

الحدث العالمي لا يخلق التنمية تلقائيًا، بل يكشف قدرة الدولة على توجيهها.

السؤال المغربي: من سيستفيد فعليًا؟

في الحالة المغربية، يكتسب النقاش حساسية أكبر، لأن الرهان لا يتعلق فقط بصورة البلاد دوليًا، بل بالتوازن بين الاستثمار في الواجهة والاستثمار في العمق الاجتماعي.

عندما يقول رئيس الحكومة إن المونديال سينعكس على الصحة والتعليم، فإن التحدي الحقيقي لا يكمن في بناء مستشفى أو مؤسسة تعليمية جديدة، بل في:

  • تحسين الولوج

  • جودة الخدمات

  • توزيع عادل بين الجهات

  • ضمان استدامة التمويل بعد 2030

فالتجربة الدولية تُحذر من الوقوع في فخ “التنمية الموسمية”، حيث تتحول الاستثمارات إلى مشاريع مرتبطة بالحدث فقط، لا بحاجيات المواطن اليومية.

التنظيم المشترك: فرصة أم تقليص للمخاطر؟

الميزة الأساسية في مونديال 2030 هي التنظيم المشترك مع إسبانيا والبرتغال. هذا المعطى قد:

  • يخفف الضغط المالي

  • يقلص حجم الاستثمارات غير الضرورية

  • يفرض معايير أعلى للحكامة والتدبير

لكن في المقابل، يفرض سؤالًا آخر: هل ستكون الأولوية لربط الملاعب أم لربط المواطن بالخدمة العمومية؟

بين التفاؤل المشروع والحذر الواجب

لا يمكن إنكار أن كأس العالم فرصة تاريخية للمغرب، لا سيما على مستوى البنيات التحتية والصورة الدولية. لكن التجارب المقارنة تُظهر أن النجاح الحقيقي لا يُقاس بعدد الملاعب ولا بسرعة القطارات، بل بما إذا كان المواطن سيشعر، بعد 2030، أن حياته اليومية تحسنت فعلًا.

خلاصة

المونديال يمكن أن يكون:

  • رافعة تنموية…

  • أو عبئًا ماليًا…

  • أو مجرد حدث عابر.

والفارق بين هذه السيناريوهات لا تحدده الفيفا ولا دافوس، بل نموذج الحكامة، وأولوية الإنسان في السياسات العمومية.