قطارات المغرب بين منطق السلامة ومنطق المراقبة…حين تُرصد المليارات للمراقبة…لا للسلامة

0
138

لم يكن حادث القطار بــ “بوقنادل” الذي أودى بحياة عشرات المغاربة مجرّد “خلل تقني”، بل لحظة كاشفة لعطب أعمق في تصور الخدمة العمومية نفسها. كان يُفترض أن تكون تلك الكارثة لحظة قطيعة: لا ركاب واقفين، لا اكتظاظ، لا تجاوز للحمولة. هكذا قيل، وهكذا وُعد.

لكن ما شهدته اليوم في القطار بين القنيطرة والرباط ثم طنجة يعيدنا إلى مقولة المثل العربي: ريمة عادت لعادتها القديمة. نفس العربات المكتظة حتى آخر ممر، نفس الأجساد المتلاصقة بين الأبواب، ونفس الإحساس بأن السلامة أصبحت مسألة حظ لا سياسة عمومية.

القطار لم يتغير. الذي تغيّر فقط هو مستوى الاعتياد على الخطر.

من خدمة عمومية إلى تجربة إنهاك يومي

ما ينقله ركاب الرباط–الدار البيضاء–المحمدية–بوزنيقة ليس تذمراً عابراً، بل نمطاً مستقراً من الاختلال:

  • التأخير صار القاعدة

  • الاكتظاظ أصبح طبيعياً

  • الغموض المعلوماتي صار جزءاً من الرحلة

  • والراكب تحوّل إلى متلقٍ سلبي لا شريك في الخدمة

في الدول التي تعتبر النقل السككي جزءاً من الأمن الاقتصادي، كل دقيقة تأخير هي خسارة إنتاجية محسوبة.
أما في المغرب، فيبدو أن الزمن الضائع للمواطن لا يدخل في أي معادلة.

وهنا يكمن الخلل البنيوي:
القطار يُدار بمنطق تقني، لا بمنطق حقٍّ عمومي.

البراق السريع… والقطارات البطيئة

المفارقة الصارخة أن المغرب استثمر مليارات في “البراق”، واجهة الحداثة والسرعة، بينما تُركت القطارات التي تقلّ غالبية المغاربة لتتعفن داخل نفس البنية القديمة:

  • عربات مهترئة

  • مواعيد بلا التزام

  • ضغط بشري يفوق الطاقة التصميمية

  • ومستخدمون في الواجهة بلا سلطة تفسير أو قرار

وكأن الدولة بنت “واجهة عرض” للزوار، ونسيت “الممر الخلفي” الذي يسلكه المواطن يومياً.

حين تُرصد المليارات للمراقبة… لا للسلامة

في قلب هذا المشهد، تظهر مفارقة أخرى أكثر عمقاً: المكتب الوطني للسكك الحديدية يرصد أكثر من 21.6 مليون درهم لتوسيع منظومة كاميرات المراقبة:

  • كاميرات حرارية

  • كاميرات 360°

  • أنظمة تحليل فيديو

  • منصة مركزية Milestone

  • صيانة، تكوين، دعم تقني

كل شيء لرؤية المسافر… ولا شيء تقريباً لضمان راحته.

السؤال الذي يفرض نفسه هنا ليس تقنياً بل سياسياً في المعنى العميق للكلمة:

هل الأولوية هي مراقبة ما يقع داخل القطار، أم منع وقوع الكارثة أصلاً؟

هل نحتاج إلى كاميرا عالية الدقة لتوثّق الاكتظاظ؟ أم نحتاج إلى قطار إضافي يمنعه؟

من منطق الخدمة إلى منطق التحكم

عندما تُجمع في صفقة واحدة:

  • التوريد

  • التركيب

  • الصيانة

  • المنصة الرقمية

  • والدعم التقني

فنحن لا نتحدث فقط عن تجهيز، بل عن نموذج حكامة مغلق يركّز القوة والميزانية في يد منظومة واحدة.

وهذا يطرح سؤالاً مشروعاً في كل الديمقراطيات الحديثة: هل نشتري الأمن… أم نشتري السيطرة؟

الإدارة حين تتحول إلى “قدر”

الأخطر من كل ما سبق، هو ما أشرتَ إليه بدقة:

نفس المدير… نفس السياسات… نفس النتائج.

في الدول التي تحترم فكرة المسؤولية،
الكارثة تعني تغييراً.
والتكرار يعني محاسبة.

أما عندنا، فيبدو أن الزمن الإداري لا يتحرك، حتى حين يتحطم القطار.

الخلاصة: ما الذي يكشفه القطار؟

السكك الحديدية لم تعد مجرد وسيلة نقل. لقد تحولت إلى مرآة دقيقة لنموذج تدبير الدولة:

  • هل نستثمر في الإنسان أم في صورته؟

  • هل نشتري الراحة أم نشتري السيطرة؟

  • هل نصلح الخلل أم نُديره؟

الراكب المغربي لا يطلب قطاراً أوروبياً. هو يطلب فقط ألا يكون مشروع ضحية قادمة. وإلى أن يُطرح هذا السؤال في مكان القرار، ستبقى الكاميرات ترصد… بينما العطب يستمر في السير على السكة نفسها.