لم يكن قرار المحكمة الدستورية بخصوص قانون المجلس الوطني للصحافة حدثاً إجرائياً عادياً في روزنامة التشريع المغربي، بل كان لحظة سياسية وقانونية كاشفة، أعادت ترتيب الحدود بين السلطة، والمهنة، والدستور.
ما جرى أبعد من إسقاط ست مواد. ما جرى هو كسر مسار كان يتجه بهدوء نحو تحويل التنظيم الذاتي للصحافة إلى تنظيم مُتحكَّم فيه.
من “تنظيم المهنة” إلى محاولة ضبطها
مشروع القانون الذي أحيل على المحكمة كان يحمل في ظاهره لغة الإصلاح، لكنه في بنيته العميقة كان يكرّس ثلاثة تحولات خطيرة:
-
إعادة هندسة المجلس الوطني للصحافة لصالح فئة واحدة
-
تحويل التعددية المهنية إلى أغلبية عددية مُحتكرة
-
تفريغ آليات التأديب من مبدأ الحياد
وهذا بالضبط ما توقفت عنده المحكمة الدستورية.
فالخطر لم يكن في مادة هنا أو فقرة هناك، بل في فلسفة كاملة كانت تتسلل إلى النص:
فلسفة ترى الصحافة قطاعاً يجب ضبطه، لا سلطة مجتمعية يجب حمايتها.
لماذا كان تدخل المحكمة سياسياً بقدر ما هو دستوري؟
لأن المحكمة لم تُسقط مواد تقنية، بل أسقطت منطقاً.
حين تقرر أن:
-
فئة الناشرين يجب أن تكون أقوى عددياً من الصحافيين داخل مجلس يفترض أنه يمثل المهنة كلها،
-
وحين يُمنح تنظيم مهني واحد احتكار تمثيل الناشرين،
-
وحين يُسمح لنفس الشخص بأن يكون قاضياً في القرار ومشاركاً في الاستئناف،
فنحن لا نكون أمام خلل تشريعي… بل أمام إعادة تشكيل ميزان السلطة داخل المهنة.
والمحكمة قرأت ذلك بدقة.
ماذا أعادت المحكمة فعلياً؟
قرار المحكمة أعاد أربعة أعمدة كانت مهددة بالسقوط:
1. التوازن بدل الغلبة
لم يعد ممكناً أن تُصاغ تركيبة المجلس بمنطق “من يملك أكثر يتحكم أكثر”.
التمثيل داخل مؤسسة تنظيم الصحافة يجب أن يعكس تعدد المهنة، لا منطق السوق أو النفوذ.
2. التعددية بدل الاحتكار
حين تمنح المادة 49 كل مقاعد الناشرين لمنظمة واحدة، فأنت لا تنظم المهنة… بل تغلقها.
المحكمة قالت بوضوح: التمثيل المهني لا يكون بالإقصاء.
3. الحياد بدل التأديب المُسيَّس
استبعاد رئيس لجنة الأخلاقيات من لجنة الاستئناف ليس تفصيلاً تقنياً.
إنه حماية لجوهر العدالة التأديبية:
لا يمكن لمن أصدر الحكم أن يكون جزءاً ممن يراجعونه.
4. القابلية للتطبيق بدل الشعارات
حتى مبدأ المناصفة بين الجنسين، الذي يبدو تقدّمياً، لا يمكن فرضه بصيغة غير قابلة للتنفيذ.
الدستور لا يحمي النوايا، بل الآليات الواقعية.
ما الرسالة الأعمق؟
الرسالة التي بعثتها المحكمة الدستورية ليست للبرلمان فقط… بل لكل من يعتقد أن:
الصحافة يمكن إعادة تشكيلها من أعلى، عبر القوانين، كما تُدار القطاعات الإدارية.
المحكمة قالت: الصحافة ليست مرفقاً تابعاً، بل سلطة مجتمعية يحميها الدستور.
وفي لحظة يعيش فيها الصحفي المغربي بين هشاشة اقتصادية وضغط سياسي وتراجع أخلاقيات السوق، جاء هذا القرار ليعيد تثبيت حجر أساس:
التنظيم المهني إما أن يكون ديمقراطياً… أو لا يكون شرعياً.
الخلاصة التي لا تُقال في البلاغات الرسمية
ما وقع ليس مجرد انتصار للمعارضة، ولا مجرد فوز للصحفيين، بل هو هزيمة مؤقتة لمنطق التحكم الناعم الذي كان يتسلل إلى بنية المجلس الوطني للصحافة تحت غطاء الإصلاح.
الدستور، هذه المرة، لم يكن نصاً يُستشهد به، بل سلاحاً استُعمل. وهذا، في حد ذاته، خبر كبير.


