بين رقم المؤشر وواقع الأسر: قراءة نقدية في آخر تقرير للمندوبية السامية للتخطيط

0
218

في سنتها التشريعية الأخيرة، تجد الحكومة المغربية نفسها أمام معطيات رسمية صادرة عن المندوبية السامية للتخطيط تكشف عن مفارقة لافتة بين خطاب رسمي يطمئن ويعد بتحسن اجتماعي، وواقع معاش لدى الأسر لا يزال يغرق في الضغوط الاقتصادية. فبينما ارتفع مؤشر ثقة الأسر حسابياً إلى 57,6 نقطة خلال الفصل الرابع من سنة 2025، ما يُفهم منه في الخطاب الحكومي كدليل على تحسن المزاج الاجتماعي، تكشف تفاصيل الدراسة أن الواقع المعيشي ما يزال في منطقة سلبية عميقة ويدل على استمرار التدهور والقلق لدى غالبية الأسر.

المؤشر كرقم عام… والتشاؤم كواقع ميداني

تُظهر النتائج أن 77,8% من الأسر المغربية صرحت بأن مستوى معيشتها تدهور خلال الاثني عشر شهراً الماضية، بينما لا تتجاوز نسبة الأسر التي رصدت تحسناً 5,3% فقط. ورغم أن رصيد هذا المكوّن سجّل تحسناً طفيفاً مقارنة بالفصول السابقة، فهو يبقى في نطاق سلبي بلغ ناقص 72,5 نقطة، ما يعكس استمرار شعور واسع بالتدهور.

هذا التحسن النسبي في المؤشر العام، الذي يتم تسويقه إعلامياً كدليل على “تحسن الوضع”، لا يعكس انقلاباً نوعياً في ظروف العيش، بل انحساراً طفيفاً في حدّة التشاؤم داخل نفس المنطقة السلبية. ولو نظرنا إلى أرقام السنوات السابقة، يتضح أن هذا التصاعد اللوجي في الثقة لا يلغي حقيقة أن غالبيّة الأسر لا تزال تعيش تحت وطأة تقلبات الأسعار وتراجع القدرة الشرائية.

توقعات المستقبل: هشاشة تفاؤل

وعلى صعيد التوقعات المستقبلية، تظل الثقة بعيدة عن أن تكون قوية أو مريحة للحكومة التي تستعد لتقييم شعبي في نهاية ولايتها. إذ تتوقع 49,4% من الأسر استمرار تدهور مستوى المعيشة خلال الاثني عشر شهراً المقبلة، بينما يرى نحو 40,7% فقط استقراراً و9,9% تحسناً. هذا يعني أن نصف الأسر تقريباً ما تزال متوقعة المزيد من الضغوط الاجتماعية والاقتصادية، وهو مؤشر سياسي مهم في سياق نهاية فترة حكومية.

سوق الشغل: من خوف مطلق إلى خوف نسبي

في ملف البطالة، الذي يُعد من أهم عناوين الشرعية الاجتماعية لأي حكومة، لا تبدو الصورة أقل إثارة للقلق. 65,2% من الأسر تتوقع ارتفاع معدلات البطالة خلال العام المقبل، مقابل 17,5% فقط ترجح انخفاضها. ولأن رصيد هذا المؤشر هو ناقص 47,7 نقطة، فإن تفاؤلاً نسبياً يلوح في البيانات مقارنة بالسنوات الماضية، لكنه لا يعني أن الأسر ترى انفراجاً حقيقياً في سوق الشغل. بل إن قلق الأسر من فقدان الوظائف أو عدم امتلاك مصدر دخل ثابت يظل مرتفعاً، ما يعكس فجوة واضحة بين سياسات الحكومة وسوق الشغل كما يُتصوَّر اجتماعياً.

القدرة على الادخار والإنفاق: أزمة تمتد إلى الجيب والأسرة

تمرّ القدرة على الادخار أو القيام بشراء سلع مستديمة من أزمة واضحة. فقد صرّحت 67,1% من الأسر أن الظروف غير ملائمة لشراء السلع المستديمة، ما يعكس عائقا أمام الاستهلاك والاستثمار الأسري، أساس أي نمو اقتصادي حقيقي ومستدام.

الأمر الأكثر حساسية اجتماعياً هو أن حوالي 39,2% من الأسر اضطرت إلى الاستدانة أو استنزاف مدخراتها لتغطية نفقاتها الشهرية، بينما 58,4% فقط قالوا إن مداخيلهم تكفي لتغطية مصاريفهم، و2,4% فقط تمكنوا من الادخار. هذا الرقم الأخير هو قلب الأزمة المعيشية، إذ يفيد أن هامش الأمان المالي شبه معدوم لدى الأسر المغربية، وأن تعرضها لأي صدمة (ارتفاع أسعار، مصاريف صحية أو مدرسية غير متوقعة) قد يدفعها أكثر إلى الاقتراض أو فقدان ما تبقى من مدخرات.

سياسات عمومية تواجه واقعاً مختلفاً

التقرير الوطني حول الظرفية لدى الأسر، الذي يُعد من الأدوات الرسمية للدولة لتقييم الحالة الاقتصادية والاجتماعية، لا يقدّم صورة موحّدة عن تحسنٍ شامل. بل على العكس، تظهر الأرقام أن التحسن في بعض المؤشرات لا يزال داخل سلبيات كبيرة، وأن معظم الأسر المغربية ما زالت تشعر بضغط الأسعار وعدم الاستقرار المالي والاجتماعي. وهذا يضع الحكومة أمام مساءلة مباشرة حول نتائج سياساتها الاقتصادية والاجتماعية، خصوصاً تلك المتعلقة بضبط الغلاء، حماية القدرة الشرائية، خلق فرص الشغل، ودعم الاستقرار المالي للأسر.