بين الأصالة والاختفاء: أين ذهبت تمور الجنوب في المغرب؟ قراءة في أزمات القطاع وأسباب التراجع

0
121

في كل موسم رمضاني، يتكرر السؤال لدى المغاربة: أين اختفت تمور الجنوب المميزة؟ لماذا تبدو الأسواق مليئة بالتمور المستوردة بينما الإنتاج الوطني يتراجع؟ للإجابة على هذا السؤال لا بد من قراءة عميقة تربط بين التاريخ الزراعي، السياسات الحكومية، التغيرات المناخية، والإكراهات الاقتصادية التي تواجه سلسلة التمور في المغرب.

أرقام الإنتاج: صعود وهبوط عبر السنوات

على مدى عقود، مثّل نخيل التمر في واحات الجنوب الشرقي (درعة-تافيلالت، زاكورة، ورزازات…) ركيزة أساسية في الزراعة التقليدية والاقتصاد المحلي. بداية الألفية شهدت نموًا تدريجيًا: الإنتاج السنوي كان يقارب 143 ألف طن في موسم 2019–2020، مع تنوع أصناف مثل المجهول، المجهول (Mejhoul)، بوفݣݣوس، بوزكري، وعزيزة.

لكن الأرقام الحالية تحكي قصة مختلفة. في السنوات القليلة الماضية، تراجع الإنتاج بشكل ملحوظ: فقد انخفض من نحو 143 ألف طن سنة 2020 إلى قرابة 108–115 ألف طن في موسم 2023–2024، ومن المتوقع أن يكون أقل من ذلك (حوالي 103 ألف طن) في موسم 2024–2025.

بينما بعض المصادر الرسمية تشير إلى أن المغرب ما زال يحتل المرتبة السابعة عالميًا في الإنتاج بمعدل سنوي يُقدَّر بحوالي 135 ألف طن ويضم أكثر من 453 صنفًا، إلا أن هذا الرقم يعكس متوسطًا عامًا لا يوضّح الانخفاضات الحادة خلال المواسم الأخيرة.

السياسات الزراعية: بين المغرب الأخضر والتحديات الحقيقية

منذ إطلاق برنامج “المغرب الأخضر” (Plan Maroc Vert) عام 2008، اعتُبر قطاع التمور من أولويات الاستثمار الزراعي بهدف زيادة المساحات المزروعة وتحسين الإنتاجية. تحت هذا المخطط، واجهت زراعة النخيل عقبات تتمثل في الأمراض الزراعية (خصوصًا مرض البايد Bayoud الذي قضى على العديد من الأشجار التجارية)، الأزمات المرتبطة بالمياه، وضعف تقنية الري الحديثة، مما أثر على الإنتاجية وجودة الإنتاج.

وفي السنوات الأخيرة، جاء “جيل الأخضر” Generation Green (2020-2030) لتعزيز الإنتاج عبر مشاريع زراعة ملايين الأشجار الجديدة، تطوير سلاسل القيمة، ودعم البحث العلمي، إلا أن هذه المبادرات لا تزال في مراحلها الأولى ولا تظهر نتائجها الكاملة بعد.

التغيرات المناخية: جفاف وحرائق تغير المشهد الزراعي

السبب الذي يتكرر في تحليلات الخبراء هو تأثير الجفاف المتواصل على مستويات المياه الجوفية في الواحات، مما يضغط على النخيل الذي يعتمد — رغم تحمله الجفاف أكثر من محاصيل أخرى — على مياه الفرشة المائية والتساقطات الموسمية.

إلى جانب ذلك، ساهمت حرائق الواحات وتدهور الغطاء النباتي حول النخيل في تراجع الإنتاجية في عدة مناطق، لا سيما في زاكورة ودرعة، وهو ما يشعر به الفلاحون مباشرة في جودة وكمية الصابة السنوية.

في هذا السياق، تظهر حقيقة أن النخيل يمكنه النمو في بيئات قاحلة لأنه متأصل في النظم البيئية الصحراوية، لكن ظروف الجفاف الطويل وقلة الموارد المائية تضعف إنتاجه وتقلل من جودة الثمار مقارنة بمواسم وفيرة.

الاعتماد على الاستيراد وتأثيرات القرار الإداري

في الوقت نفسه الذي يواجه فيه الإنتاج الوطني هذه التحديات، توسعت عمليات استيراد التمور خصوصًا من تونس ومصر لتلبية الطلب المتزايد خلال المواسم الدينية والمناسبات الاجتماعية. في بعض المواسم، وصلت كميات الاستيراد إلى أن تكون هي الجزء الأكبر من المعروض في الأسواق الحضرية الكبرى.

ومنذ تطبيق ترخيص الاستيراد الجديد العام الماضي، ظهرت بعض الارتباكات الجمركية التي أثرت مؤقتًا على وفرة الكميات المستوردة، كما أشرنا سابقًا، ما ساهم في ارتفاع الأسعار قبل رمضان.

أين ذهبت “أصالة الجنوب”؟ بين ضعف الدعم وبروز المستورد

التمور الأصيلة في الجنوب المغربي لم تختفِ بالكامل، لكنها تراجع حضورها في الأسواق مقارنة بالمنتجات الأجنبية لأسباب مركبة:

  • ضعف البنية التحتية للتعبئة والتسويق في الواحات، ما يجعل المنتجات المحلية أقل قدرة على منافسة جودة وتغليف التمور المستوردة في المهرجانات والأسواق الحديثة.

  • قلة الدعم التقني والمالي للفلاحين الصغار، مقارنة باستثمارات ضخمة في بعض قطاعات زراعية أخرى.

  • الجفاف وتراجع المياه الجوفية، الذي أثر على جودة الثمار وإمكانية التخزين لسنوات سابقة.

  • الأمراض الزراعية القديمة والجديدة، مثل مرض البايد الذي قضى على آلاف الأشجار المنتجة ذات الجودة العالية.

خلاصة تحليل: بين السياسة والمناخ والتجارة

ليست “سياسة الأخضر” وحدها سببًا في تراجع تمور الجنوب، لكنها جاءت في سياق ضغوط مناخية واقتصادية وتجارية طويلة الأمد، حيث:

🔹 الإنتاج الوطني يتراجع رغم الجهود الاستثمارية بسبب الجفاف، نقص المياه، والحرائق.
🔹 الاعتماد على الاستيراد لتلبية الطلب يضع المنتج المحلي في منافسة غير متكافئة.
🔹 السياسات الزراعية الحديثة تسعى للتعافي المستدام لكن نتائجها تظهر تدريجيًا وليس على الفور.




التمور – التي كانت رمزًا للوفرة والصمود في جنوب المغرب – لا ذهبت فعليًا، لكنها تعيد تموقعها ضمن ديناميات اقتصادية ومناخية جديدة. لمعالجة هذا التحول، يحتاج المغرب إلى تكامل السياسات المناخية مع دعم الفلاحين، تحسين نظم الري، تحديث التعبئة والتسويق، وربط الإنتاج المحلي بسلاسل القيمة الحديثة.