مسار إصلاح منظومة الصحة والحماية الاجتماعية في المغرب: بين الرؤية الملكية وموقف النقابة المستقلة

0
78
صورة موقع الجزيرة

في قلب الإصلاحات الكبرى التي يشهدها المغرب في السنوات الأخيرة، تتبوأ منظومة الصحة وورشة الحماية الاجتماعية مكانة متقدمة في سلم الأولويات، لكونهما يمسّان حياة المواطنين بشكل مباشر ويعكسان جوهر رؤية الدولة في بناء دولة اجتماعية قوية وعادلة. هذه الرؤية، المرتكزة على توجيهات سامية من الملك، لم تعد نصوصاً على الورق، بل تُترجم تدريجياً إلى مشاريع وقوانين، وسط نقاشات وأصوات نقدية متعددة تتناول ما تحقق بالفعل وما لا يزال ينقص.

في هذا السياق، عقدت النقابة المستقلة لقطاعات الصحة، العضو في اتحاد النقابات المستقلة بالمغرب، اجتماعها الدوري بمقرها المركزي يوم الإثنين 26 يناير 2026، بحضور أعضاء مكتبها الوطني، لمناقشة مستجدات القطاع الصحي والحماية الاجتماعية، وتقديم موقفها من القضايا الجوهرية في إطار متابعة مسار الإصلاح الصحي الوطني المنبثق عن الرؤية الملكية السامية.

الرؤية واضحة… والتنفيذ معقد

أكدت النقابة أن الرهان على إصلاح المنظومة الصحية هو مسار طويل ومعقد، يحتاج إلى إرادة سياسية صلبة، موارد بشرية ومادية كافية، وتعاون فاعل بين جميع الأطراف المعنية. وأوضحت أن المشاريع الإصلاحية، بما في ذلك القانون الإطار ومجموعات الرعاية الصحية الترابية، تمثل خطوات فعلية نحو تدبير أكثر قرباً من المواطن، لكنها لا تخلو من تحديات وثغرات تحتاج إلى معالجة مستمرة لضمان فعاليتها على الأرض.

وفي هذا الإطار، تسجل المبادرة تقدماً ملموساً في توسيع التغطية الصحية الإجبارية لتشمل نحو 88٪ من السكان، أي حوالي 22 مليون مواطن تقريباً، بما في ذلك الفئات الهشة ومحدودة الدخل، مع إتاحة التغطية الصحية المدعومة من الدولة (AMO Tadamon) التي توفر العلاج في المستشفيات العامة والخاصة دون تحميل المستفيدين أعباء مالية مباشرة.

الإنجازات والتحديات البنيوية

رغم هذه المكاسب، تواجه المنظومة الصحية تحديات بنيوية:

  • الخصاص في الموارد البشرية الصحية، إذ يهدف المشروع الإصلاحي إلى الوصول إلى نسبة 4.5 طبيب لكل 1000 نسمة بحلول 2030، وهو الحد الأدنى ضمن المعايير الدولية لضمان جودة الخدمات.

  • اللامساواة في توزيع الخدمات بين المدن الكبرى والمناطق النائية، حيث يجد بعض المرضى صعوبة في الوصول إلى الرعاية في الوقت المناسب.

  • إدارة الموارد والمعدات، التي ما تزال تحتاج إلى تحسين لضمان استمرارية الخدمات وجودتها على أرض الواقع.

وأكدت النقابة أن أي إصلاح لا يمكن تعميمه إلا بعد تقييم دقيق للتجارب التجريبية، ومواكبة مستمرة على مدى أشهر وسنوات، لضمان استنتاج نتائج حقيقية واستفادة القطاع من الدروس المستخلصة.

خطر تفويت الخدمات الأساسية

شدد الاجتماع على أن الخدمات الأساسية داخل المؤسسات الصحية — بما فيها الاستشارات الطبية، التوجيهات، العلاجات، المتابعات التمريضية، والتدبير الإداري — يجب أن تظل في صلب مسؤولية القطاع العام، مع السماح بتفويض محدود للوظائف التي لا تمس جوهر الخدمة، مثل الحراسة، النظافة، البستنة، والإطعام، لضمان جودة الرعاية وحماية المعطيات الشخصية للمستفيدين.

نجاح الإصلاح رهين بالالتزام الجماعي

خلص الاجتماع إلى أن نجاح الورش الإصلاحي يعتمد على التزام جماعي لكل الفاعلين، بما في ذلك الدولة، النقابات، والمواطنون، لضمان أن تتحول المبادرات إلى نتائج ملموسة على أرض الواقع، بعيداً عن الخطوات الشكلية أو المخرجات المؤقتة.

وفي هذا الإطار، تأتي المبادرة الملكية لتطوير المنظومة الصحية والحماية الاجتماعية ليس فقط كإطار تشريعي، بل كمشروع شامل يتطلب تفعيل الموارد، تحسين الحوكمة، وتعزيز مراقبة الأداء، بما يعكس الطابع الإنساني للإصلاح، ويحوّل الرؤية الملكية إلى واقع ملموس يشعر به المواطن في حياته اليومية.

خاتمة: بين الإنجاز الحقيقي والتحديات العميقة

يُظهر المسار الإصلاحي للمنظومة الصحية والحماية الاجتماعية وقفات إنجاز مهمة تُعدّ علامة فارقة في تاريخ السياسات الاجتماعية بالمغرب، لكن الطريق لا يزال طويلاً أمام تحويل هذه الورشات إلى خدمات يومية محسوسة للمواطن.

النجاح الحقيقي لن يُقاس بأرقام التغطية فقط، بل بمدى تحسن حياة الناس، قدرة المستشفيات على الاستجابة الفعلية لحاجياتهم، وشفافية إدارة الموارد. وفي هذا، يبقى التقييم المنهجي، المساءلة، والانخراط الجماعي ملامح لا غنى عنها في رحلة الإصلاح، التي تنتقل من مرحلة التصميم إلى مرحلة التنفيذ والتقويم المستدام.