من “تدخل أمني” إلى شبهة عنصرية: حادثة أوتريخت تهز صورة الشرطة الهولندية

0
119

في قلب شارع مزدحم وسط مدينة أوتريخت الهولندية، لم تعد الواقعة مجرد “تدخل أمني روتيني”، بل تحوّلت في ظرف ساعات إلى قضية رأي عام تضع الشرطة الهولندية مجددًا تحت مجهر الاتهام، وتعيد فتح ملف حساس يتجاوز حدود الحادث نفسه: حدود السلطة، والعنصرية الكامنة، ومعنى الثقة بين المواطن والمؤسسة الأمنية.

الحادث، الذي وثقته كاميرات الهواتف وانتشر بسرعة على مواقع التواصل الاجتماعي، يظهر شرطياً وهو يجرّ امرأة محجبة بعد مشادة كلامية، قبل أن يلتفت نحو امرأة ثانية كانت توثق المشهد، فيركلها بقدمه، ثم يعود لينفجر عنفًا في حق الأولى باستعمال عصا الشرطة. مشاهد قصيرة، لكنها كافية لإحداث صدمة واسعة في الرأي العام الهولندي، ليس فقط بسبب العنف الجسدي، بل بسبب رمزية الضحيتين: امرأتان محجبتان في فضاء عمومي يفترض أن يكون محايدًا وآمنًا.

رواية الضحيتين تضيف بعدًا أكثر خطورة للقضية. فإلى جانب الضرب والركل، تتحدثان عن عبارات ذات حمولة عنصرية صريحة، من قبيل “أنتِ لا تنتمين إلى هذا البلد”، ما يحوّل الحادث من مجرد “تجاوز مهني محتمل” إلى شبهة تمييز عنصري مباشر داخل جهاز يفترض فيه تمثيل القانون والمساواة. وهو ما دفعهما إلى إعلان عزمهما تقديم شكاية رسمية بتهم الاعتداء الجسدي ومحاولة إحداث أذى جسدي خطير.

محامي السيدتين، في تصريح لبرنامج “نيوز أور” على القناة العمومية الهولندية، لم يخف خطورة الوضع، مؤكداً أن موكلتيه تخضعان للعلاج الطبي بسبب الإصابات، وأن الإهانات العنصرية لم تكن عرضية بل تكررت خلال الواقعة. تحفظه عن كشف تفاصيل الإصابات يعكس، في حد ذاته، إدراكًا بأن الملف مرشح للتصعيد القانوني والإعلامي، وأن كل كلمة قد تتحول إلى عنصر حاسم في مسار التحقيق.

في المقابل، تحاول الشرطة الهولندية تقديم رواية مغايرة، تتحدث عن “فوضى” شارك فيها نحو عشرين شخصًا، وعن إساءة لفظية وجهتها إحدى المرأتين لعنصر أمني. رواية يرفضها الدفاع بشكل قاطع، ويعتبرها محاولة لتخفيف المسؤولية وإعادة تأطير العنف داخل سردية “استعادة النظام”. هنا بالضبط يتجلى جوهر الصراع: هل نحن أمام شرطي فقد أعصابه في لحظة توتر جماعي؟ أم أمام سلوك عنصري استند إلى موقع السلطة واستهدف فئتين ضعيفتين اجتماعياً ورمزياً؟

رد الشرطة الرسمي جاء حذرًا ومشحونًا بالعبارات الدبلوماسية. اعتراف بـ”تفهم الأسئلة المطروحة”، خاصة تلك المتعلقة بالعنصرية، مع التأكيد على أن التحقيق لا يزال جارياً، وأنه لا يمكن الحسم في ما إذا كان الأمر سيقود إلى متابعة جنائية أو يقتصر على عقوبات إدارية داخلية. هذا الخطاب، رغم لغته الهادئة، يعكس إدراك المؤسسة الأمنية لحساسية الملف، وخشيتها من تحوله إلى قضية بنيوية تمس صورتها في مجتمع يفاخر بتقاليده الليبرالية.

لكن ما يتجاوز تفاصيل الواقعة هو سؤال أعمق وأخطر: إلى أي حد ما زالت بعض أجهزة الأمن الأوروبية أسيرة تمثلات ثقافية ترى في “المختلف” تهديدًا ضمنيًا؟ وإلى أي مدى يمكن للكاميرا، بوصفها شاهدًا عصريًا، أن تكسر الروايات الرسمية وتعيد توزيع القوة الرمزية بين المواطن والشرطي؟

حادثة أوتريخت، في النهاية، ليست مجرد تحقيق إداري في سلوك فردي، بل مرآة مصغرة لتوترات كامنة داخل المجتمع الهولندي نفسه: توتر بين خطاب المساواة والواقع اليومي، بين حياد القانون وتجارب الأقليات، وبين صورة الدولة الحديثة وأسئلة العنصرية التي ترفض الاختفاء. وفي انتظار ما ستسفر عنه نتائج التحقيق، يبقى الثابت الوحيد أن الفيديو لم يوثق فقط لحظة عنف، بل كشف عن شرخ عميق في معنى العدالة حين تُختبر في الشارع لا في النصوص.