في الظاهر، تبدو الأرقام التي أعلنتها وزارة السياحة والصناعة التقليدية والاقتصاد الاجتماعي والتضامني أقرب إلى قصة نجاح مكتملة الأركان: عائدات قياسية بالعملة الصعبة تناهز 138 مليار درهم في سنة 2025، أي ما يعادل حوالي 13.7 مليار دولار، بارتفاع يفوق 21 في المائة مقارنة بسنة 2024. رقم غير مسبوق في تاريخ السياحة المغربية، بل ويتجاوز الهدف الذي حددته خارطة الطريق السياحية لسنة 2026 قبل موعده بعام كامل، وكأن القطاع يسبق الزمن ويؤكد تحوله إلى أحد أعمدة الاقتصاد الوطني.
هذا الأداء لا يرتبط فقط بتزايد عدد الوافدين، الذين قاربوا عتبة 20 مليون سائح، بل يعكس أيضاً تحولاً في طبيعة العرض السياحي المغربي، من سياحة موسمية محدودة إلى منتج متنوع يمتد من الشواطئ إلى المدن العتيقة، ومن السياحة الثقافية إلى البيئية والرياضية والعلاجية. كما أن السياحة الداخلية، بنفقاتها التي قدرت بنحو 48 مليار درهم، تؤكد أن المغاربة أنفسهم أصبحوا جزءاً مركزياً من دينامية القطاع، لا مجرد فاعلين هامشيين فيه.
في خطابها الرسمي، تؤكد وزيرة السياحة أن هذه العائدات القياسية تعني خلق قيمة مضافة أكبر، وليس فقط ارتفاعاً رقمياً في عدد الزوار، وتربط ذلك بطموح جعل السياحة محركاً للتنمية المجالية ورافعة مستدامة للتشغيل. هنا تكتمل الصورة المثالية: قطاع ناجح، عملة صعبة تتدفق، فرص شغل، وتنمية محلية.
لكن المفارقة تبدأ عندما نغادر أرقام السياحة وندخل إلى دفاتر وزارة الاقتصاد والمالية. فالدولة نفسها تعلن أن العجز في الميزانية لم يتجاوز 3.5 في المائة من الناتج الداخلي الإجمالي، وهي نسبة تبدو مطمئنة وفق المعايير الدولية. غير أن هذا “الاطمئنان” المحاسبي يخفي واقعاً مختلفاً: عجز فعلي يقارب 60.5 مليار درهم، أي أن الدولة ما زالت تموّل جزءاً مهماً من نفقاتها عبر الاقتراض.
الأدهى أن نسبة المديونية، رغم تراجعها الظاهري إلى 67.2 في المائة من الناتج الداخلي، ترافقها قفزة مقلقة في كلفة خدمة الدين، حيث ارتفعت فوائد الدين بأكثر من 22 في المائة في سنة واحدة. بمعنى آخر، جزء متزايد من الميزانية العامة لا يذهب إلى الاستثمار أو تحسين الخدمات الاجتماعية، بل يُستنزف في تسديد فوائد قروض سابقة، في حلقة مفرغة عنوانها “نقترض اليوم لنسدد ديون الأمس”.
أما المداخيل العمومية، التي تجاوزت 424 مليار درهم بزيادة 14.2 في المائة، فهي لا تعكس بالضرورة توسعاً اقتصادياً حقيقياً أو دينامية قوية في خلق الثروة، بل ترتكز أساساً على الضغط الضريبي على نفس الفئات المهيكلة والملتزمة، في وقت يظل فيه الاقتصاد غير المهيكل، الذي يشغل ملايين المغاربة، خارج الدورة الضريبية الفعلية. أي أن الدولة تحسّن أرقامها المالية عبر تعميق نفس القاعدة الضريبية، لا عبر توسيعها.
في المقابل، ترتفع النفقات العادية إلى 348.7 مليار درهم، مدفوعة بكلفة السلع والخدمات وفوائد الدين، بينما يتقلص دعم المقاصة بنسبة 30 في المائة، وهو ما يعني عملياً أن جزءاً من العبء ينتقل مباشرة إلى جيب المواطن، سواء عبر ارتفاع الأسعار أو تراجع الدعم. أما ما يسمى بالفائض العادي، البالغ 75.5 مليار درهم، فهو فائض محاسبي أكثر منه اقتصادياً، لأنه لا يعكس بالضرورة تحسناً في القدرة الإنتاجية أو في مستوى عيش الأسر.
حتى نفقات الاستثمار، التي بلغت 125.3 مليار درهم، رغم ارتفاعها، تظل محاطة بعلامات استفهام حول مردوديتها الحقيقية: هل تخلق فرص شغل دائمة؟ هل تحسن الإنتاجية؟ أم تظل محصورة في مشاريع بنية تحتية لا تنعكس مباشرة على النمو الاجتماعي؟
هنا تتجلى المفارقة الكبرى: المغرب يحقق عائدات سياحية قياسية، ويتقدم في مؤشرات الجذب الدولي، لكنه في الوقت نفسه يواصل تمويل توازنه المالي عبر الاقتراض والضغط الضريبي، مع تصاعد كلفة خدمة الدين وتراجع الهوامش الاجتماعية. السؤال الجوهري لم يعد: كم دخلنا من العملة الصعبة؟ بل: أين تذهب هذه الموارد؟ ولماذا لا تنعكس بشكل واضح على تخفيف المديونية أو تحسين شروط عيش المواطن؟
الواقع أن الأرقام تتحسن على الورق، بينما الإحساس العام لدى المواطنين هو أن الكلفة الاقتصادية اليومية ترتفع، وأن “نجاح السياحة” لا يتحول تلقائياً إلى رخاء اجتماعي. وهو ما يكشف فجوة عميقة بين اقتصاد الإنجازات الرقمية واقتصاد العدالة في التوزيع، بين صورة بلد ناجح في التقارير الدولية، وواقع مجتمع ما زال يمول توازنه عبر الدين، لا عبر ثمار نمو شامل ومستدام.
في النهاية، لا يبدو السؤال الحقيقي تقنياً حول نسب النمو أو حجم المداخيل، بل سؤالاً وجودياً حول معنى التنمية نفسها. سؤال سبق أن طرحه الملك محمد السادس حين قال: «هل استفاد منها جميع المواطنين أم فئات فقط؟». وهو السؤال الذي يعيدنا إلى جوهر الإشكال: اقتصاد يراكم الأرقام، لكن لم يحسم بعد معركة العدالة في توزيع الثروة.


