الأمن الوطني يكسر صمته: اختفاء مواطن فرنسي والقضايا الجنائية تُدار بالمساطر لا بالتصريحات

0
117
Screenshot

في مواجهة رواية إعلامية عابرة للحدود، اختارت المديرية العامة للأمن الوطني أن تخرج عن صمتها المؤسسي، ليس للدخول في سجال مع صحيفة فرنسية، بل لإعادة ترتيب الوقائع داخل سياقها الحقيقي، وتذكير الرأي العام بأن القضايا الجنائية لا تُدار بمنطق العناوين، بل بمنطق المساطر، الزمن، وحدود الممكن في البحث القضائي.

القصة، في جوهرها، لا تتعلق فقط باختفاء شاب فرنسي بمدينة الرباط سنة 2024، بقدر ما تتعلق بالصراع غير المعلن بين سرديتين: سردية إعلامية تبسيطية، توحي بالتقصير والتجاهل، وسردية أمنية تستند إلى تراكم إجراءات ميدانية وتقنية، امتدت على ما يقارب سنتين من البحث المتواصل، دون أن تقود إلى دليل حاسم.

منذ اللحظة الأولى، يوم 13 أبريل 2024، تعاملت مصالح الأمن مع الإشعار بالغياب باعتباره واقعة مفتوحة على جميع الفرضيات، دون افتراض مسبق لجريمة أو إهمال. المعاينات الأولية داخل الشقة التي كان يكتريها المعني بالأمر لم تكشف أي مؤشرات اقتحام أو عنف أو سرقة، بل على العكس، تم العثور على جميع أغراضه الشخصية، ومعداته الرقمية، ومبلغ مالي، ما جعل فرضية الاختفاء الطوعي أو الاضطراب الشخصي قائمة بقوة منذ البداية.

غير أن غياب الدليل لا يعني غياب البحث. فالأجهزة الأمنية عمّقت التحريات عبر إشراك خبراء مسرح الجريمة والمختبر الوطني للشرطة العلمية والتقنية، ورفعت عينات وراثية، ومسحت فضاءات متعددة، بما فيها شقة شخص كان آخر من رافقه، دون أن تسفر النتائج عن أي قرينة إجرامية.

ومع انتقال الملف إلى الفرقة الوطنية للشرطة القضائية بالدار البيضاء، دخل البحث مرحلة أكثر كثافة، شملت الاستماع لأكثر من ستين شخصاً، وتتبع مسار تنقلات المختفي بين مدن الشمال، من تطوان إلى شفشاون، ثم مدن أخرى، دون أن يتم العثور على أثر ملموس. حتى أجهزته الإلكترونية، التي غالباً ما تشكل الخيط الأول في قضايا الاختفاء، لم تكشف أي معطى حاسم حول موقعه أو وجهته.

على المستوى المالي والاتصالي، فُتحت قنوات متعددة مع الأبناك، شركات الاتصالات، الجمارك، وحتى عبر آليات التعاون الأمني الدولي، لكن جميع هذه المسارات انتهت إلى النتيجة نفسها: لا تحويلات مشبوهة، لا اتصالات دالة، لا عبور حدود مسجل.

ورغم ذلك، لم تتوقف فرضيات البحث عند هذا الحد. فالإشعارات التي توصلت بها عائلة المختفي من مواطنين ادعوا رؤيته في مدن مختلفة دفعت الأمن إلى تشكيل ست فرق ميدانية، تحركت عبر الدار البيضاء، إفران، أزرو، خنيفرة، فاس، ومناطق نائية في الأطلس الكبير، قضى بعضها أكثر من ثلاثة أسابيع في تمشيط جبلي شاق، انتهى بالتحقق من أن الأشخاص المشتبه في كونهم المختفي لا علاقة لهم به إطلاقاً.

في الخلفية، ظل البعد الإنساني حاضراً، خلافاً لما روجته الرواية الإعلامية. فقد استُقبلت عائلة المختفي عدة مرات، وأُطلعت على تطورات البحث، وتسلمت ممتلكاته بموجب محاضر قانونية. كما تم التفاعل مع كل طلبات ضابط الاتصال الفرنسي بالمغرب، دون أي تجاهل أو قطيعة مؤسساتية.

أما فرضية التطرف الديني، التي ألمحت إليها “لوفيغارو”، فتم تفكيكها أمنياً بتنسيق مع مصالح الاستعلامات، دون العثور على أي ارتباط فعلي داخل التراب المغربي.

في المحصلة، لا تقدم هذه القضية جواباً شافياً بقدر ما تكشف عن حدود الحقيقة نفسها حين تغيب الأدلة. فالأمن لا يملك ترف اختلاق الوقائع لإرضاء الرأي العام، ولا الصحافة مسؤولة عن اختزال مسار معقد في سردية أخلاقية جاهزة. بين الطرفين، يبقى المختفي غائباً، وتبقى الدولة ملزمة بالبحث، لا بالنتيجة.

آخر إجراء قانوني سُجل في هذا الملف يعود إلى 20 يناير 2026، وهو تاريخ لا يؤشر على نهاية القصة، بل على استمرارها في منطقة رمادية، حيث يشتغل الأمن بالصبر، وتشتغل الصحافة بالأسئلة، ويظل الإنسان، في المنتصف، مجرد اسم معلّق في ذاكرة البحث.