المحامون في المغرب: حين يتحوّل الخلاف القانوني إلى معركة سياسية

0
147

لم تكن الندوة الصحافية التي عقدتها هيئات المحامين بالرباط مجرد محطة تواصلية عادية، بل بدت أقرب إلى إعلان حالة استنفار داخل واحدة من أكثر المهن التصاقاً بمفهوم دولة الحق والقانون. حضوري لهذه الندوة لم يكن مبرمجاً مسبقاً، إذ توصلت ببلاغها قبل أربع وعشرين أو ثمانٍ وأربعين ساعة فقط من انعقادها عبر نقيب المحامين، ولم أكن في الأصل أنوي متابعتها، قبل أن أقرر في اللحظة الأخيرة الحضور وتغطيتها لفائدة عدد من المنابر الإعلامية التي أشتغل معها خارج المغرب.

منذ اللحظة الأولى، كان واضحاً أن الخطاب الذي يقدمه النقيب الحسين الزياني، رئيس جمعية هيئات المحامين، يتجاوز لغة الدفاع المهني التقليدية، ليرتقي إلى مستوى خطاب سياسي صريح. فالزياني شدد على أن المحامين لا يتحملون مسؤولية المشروع المعروض حالياً على البرلمان، بل ذهب أبعد من ذلك حين قال حرفياً: “هذا المشروع لا يعنينا”، في إشارة إلى أنه لا يعكس لا انتظارات المهنة ولا فلسفتها ولا موقعها داخل منظومة العدالة.

ورغم تأكيده أن المحامين ليسوا ضد الحوار، إلا أنه وضع شرطاً أساسياً: ألا يكون هذا الحوار شكلياً أو مجرد إجراء بروتوكولي لتمرير قرارات جاهزة. وفي سياق متصل، ذكّر بأن مقاطعة جلسات المحاكم جاءت كرد فعل احتجاجي على المشروع، وهو ما أدى عملياً إلى شلل جزئي في سير العدالة، مع إقرار صريح بأن المواطن يظل المتضرر الأول من هذا الوضع.

غير أن اللافت في خطاب الزياني هو توصيفه للصراع الدائر باعتباره ليس نقاشاً تقنياً أو مهنياً ضيقاً، بل “معركة حقيقية تمس جوهر دولة الحق والقانون”. فحسب رؤيته، المشروع المطروح لا يمس فقط شروط ممارسة مهنة المحاماة، بل يضرب في العمق المقومات الدستورية والمرجعيات الدولية التي تؤطر العدالة، من الدستور المغربي إلى مبادئ الأمم المتحدة والمعايير الكونية المرتبطة باستقلال الدفاع وضمان المحاكمة العادلة.

في هذا السياق، يصبح موقف المحامين سياسياً بقدر ما هو قانوني. فهم لا يعارضون نصاً تشريعياً فحسب، بل يعترضون على تصور كامل لدورهم داخل منظومة السلطة القضائية، وعلى ما يعتبرونه توجهاً لإعادة هندسة العلاقة بين الدولة والدفاع على أسس تمس الاستقلالية والوظيفة الرقابية للمحامي.

أما السؤال الذي وجهته شخصياً للنقيب الزياني، فكان بسيطاً في صياغته، عميقاً في دلالته: ما هي أسباب النزول؟ أي لماذا ظهر هذا المشروع الآن؟ ولماذا بهذه الصيغة التي فجّرت هذا الكم من الرفض؟
جوابه كان دبلوماسياً، مراوغاً نسبياً، مكتفياً بالإشارة إلى أنه تناول الأمر في بداية الندوة، دون الخوض في خلفيات سياسية مباشرة، وكأن هناك حرصاً على عدم تسمية الأشياء بأسمائها.

لكن ما يمكن استخلاصه من مجمل الندوة أن الصراع القائم ليس مجرد خلاف حول مواد قانونية، بل هو صراع حول السلطة داخل الحقل القضائي: من يحدد قواعد اللعبة؟ ومن يملك تعريف أدوار الفاعلين داخل منظومة العدالة؟ وهل المحامي مجرد تقني مساعد، أم فاعل دستوري مستقل له وظيفة سياسية-حقوقية في مراقبة السلطة والدفاع عن الحقوق؟

بين خطاب الوزارة وموقف الهيئات، يبدو أن المغرب أمام لحظة اختبار حقيقية: إما فتح نقاش عمومي عميق يعيد الاعتبار لمفهوم التشاركية في التشريع، أو الانزلاق نحو منطق فرض الأمر الواقع، بما يحمله من مخاطر على الثقة في المؤسسات وعلى صورة العدالة نفسها.

في النهاية، تبقى المعادلة معقدة: محامون يرون أنفسهم في معركة وجود، وزارة تعتبر نفسها بصدد إصلاح تشريعي، ومواطن يدفع ثمن التعطيل والانسداد. والسؤال المفتوح يظل قائماً: هل نحن أمام إصلاح قانوني ضروري، أم إعادة ترتيب سياسية لموازين القوة داخل دولة القانون؟