تعليق المصانع وقطع شرايين النقل بشمال المغرب: حين تتحول التقلبات الجوية إلى اختبار للبنية التحتية
لم يعد ما تشهده أقاليم شمال المغرب مجرّد حالة اضطراب جوي عابر، بل تحوّل خلال ساعات قليلة إلى وضع ميداني مركّب كشف هشاشة عدد من المفاصل الحيوية في المنظومة الحضرية والصناعية والطرقية، وفرض على السلطات الانتقال من منطق التدبير الاعتيادي إلى منطق الطوارئ. فارتفاع منسوب المياه بشكل غير مسبوق، مصحوب برياح قوية، لم يشل فقط حركة السير، بل عطّل جزءاً من النشاط الاقتصادي، وفرض إعادة ترتيب الأولويات بين منطق الإنتاج ومتطلبات السلامة.
في هذا السياق، جاء قرار تعليق الأنشطة الصناعية داخل عدد من الوحدات المتواجدة بالمناطق المهددة بالسيول كتعبير واضح عن تحوّل ميزان القرار من منطق الاستمرارية الاقتصادية إلى منطق الوقاية القصوى. لم يكن الفصل الفوري للتيار الكهربائي وإجلاء العمال مجرد إجراء تقني احترازي، بل رسالة ضمنية بأن البنية الصناعية في هذه المناطق ما تزال شديدة الارتهان للعوامل الطبيعية، وأن أي خلل مناخي متوسط يمكن أن يتحول بسرعة إلى خطر جسيم على الأرواح والممتلكات.
وعلى مستوى النقل، بدا المشهد أكثر دلالة. فشلل الطريق الوطنية رقم 16، وتعذر المرور بين تطوان والمضيق عبر الملاليين، ثم انقطاع الطريق الوطنية رقم 2 في اتجاه طنجة، لم تكن مجرد أحداث متفرقة، بل أعراض لمنظومة طرقية تتقاطع فيها هشاشة الجغرافيا مع محدودية الاستعداد المسبق. هذه المحاور ليست طرقاً ثانوية، بل شرايين حيوية تربط قطباً سياحياً وصناعياً وتجارياً من أهم أقطاب الشمال، ما جعل كل انقطاع فيها يتحول فوراً إلى أزمة تنقل ذات أثر اقتصادي واجتماعي مباشر.
قرار فتح الطريق السيار بين تطوان والفنيدق بشكل مجاني، رغم طابعه الاستثنائي، يعكس في العمق منطق “التدخل الاضطراري” أكثر مما يعكس وجود تصور بنيوي مسبق لإدارة المخاطر. فهو حل إسعافي يخفف الضغط الآني، لكنه لا يجيب عن السؤال الأكبر: لماذا تظل الطرق الوطنية، التي يفترض أن تؤمّن الحد الأدنى من الاستمرارية، أول من يخرج عن الخدمة مع كل موجة أمطار قوية؟
ميدانياً، لم يكن المشهد داخل المدن أقل دلالة. شوارع تحولت إلى مسطحات مائية، أعمدة إنارة ساقطة، حركة سير مشلولة، وارتباك يومي في تنقل المواطنين. هنا لم تعد المشكلة مرتبطة فقط بتدبير لحظة طارئة، بل بطبيعة التخطيط الحضري نفسه، حيث يبدو أن شبكات تصريف المياه والبنيات التحتية لم تُصمَّم على أساس سيناريوهات مناخية متطرفة، رغم أن هذه السيناريوهات لم تعد استثناء نادراً بل نمطاً متكرراً.
في المقابل، تحرّك فرق الوقاية المدنية والسلطات المحلية في وضعية استنفار دائم يكشف مفارقة واضحة: جهاز تدخل نشيط ومجتهد، لكنه يشتغل غالباً في إطار ردّ الفعل لا في إطار الاستباق. أي أن الدولة، عملياً، تتقن إدارة الأزمة أكثر مما تتقن منعها. وهو ما يطرح سؤالاً استراتيجياً حول حدود النموذج الحالي في تدبير المخاطر الطبيعية: هل ما يزال مقبولاً أن ننتظر الفيضانات لنتحرك، أم أن التحولات المناخية تفرض الانتقال إلى سياسات وقائية عميقة تعيد التفكير في الخرائط الطرقية والصناعية والعمرانية؟
تحذيرات وزارة التجهيز والماء من استمرار التقلبات الجوية، والدعوة إلى توخي الحذر، تكشف بدورها عن إدراك رسمي لخطورة المرحلة، لكنها في الوقت نفسه تضع المواطن أمام مسؤولية فردية في مواجهة خطر جماعي، في غياب ضمانات بنيوية كافية. فالتوجيه نحو مسارات بديلة، والاتصال بمراكز الديمومة، حلول ضرورية، لكنها تظل في النهاية أدوات تدبير ظرفي لا تعالج جذور الإشكال.
في المحصلة، ما حدث بشمال المغرب ليس مجرد “أزمة طقس”، بل لحظة كاشفة لاختلالات أعمق في علاقة السياسات العمومية بالمجال والبيئة. لحظة تطرح أسئلة تتجاوز خبر انقطاع الطرق وتعليق المصانع، لتلامس جوهر النموذج التنموي نفسه: إلى أي حد تأخذ الدولة فعلاً بعين الاعتبار المخاطر المناخية في تخطيطها؟ وهل البنية التحتية الحالية مهيأة لمغرب تتغير شروطه المناخية بسرعة تفوق سرعة الإصلاحات المؤسساتية؟ هنا، تتحول السيول من حدث طبيعي إلى مرآة سياسية وتقنية تعكس حدود الاستعداد، لا فقط حجم الأمطار.