فيضانات اللوكوس: من يحاسب من خطّط لمدينة فوق مجاري المياه؟

0
124

لم تكن الفيضانات الأخيرة التي اجتاحت مدينة القصر الكبير مجرّد حادث مناخي عابر، بقدر ما بدت وكأنها لحظة “محاكمة تاريخية” لمسار طويل من القرارات العمرانية التي راهنت على نسيان الجغرافيا، وعلى ترويض الطبيعة بدل التكيّف معها. فالمياه التي غمرت الأحياء الهشة لم تنزل فقط من السماء، بل خرجت من باطن الذاكرة المائية للمدينة، من مجاري قديمة، ومنخفضات منسية، ومستـنقعات جفّفت على الورق لا في الواقع.

القصر الكبير ليست مدينة طارئة على الفيضانات. تاريخها العمراني، منذ نشأتها الأولى، كُتب على تماس دائم مع نهر اللوكوس، في سهل فيضي بامتياز، حيث كان الوجود البشري مشروطاً دائماً بفهم حركة الماء أكثر من مجرد تحدّيه. غير أن هذا الوعي التاريخي تآكل تدريجياً، ليحلّ محله منطق تدبيري قصير النفس، اعتبر أن بناء سد وادي المخازن وتوالي سنوات الجفاف كفيلان بإلغاء ذاكرة الخطر.

المقاربة التاريخية لتعمير المدينة تكشف أن النواة الأولى، المتمركزة في باب الواد والشريعة، لم تكن اختياراً اعتباطياً، بل ثمرة توازن دقيق بين القرب من الموارد المائية والابتعاد النسبي عن أخطر المنخفضات. حتى الاستعمار الإسباني، رغم طبيعته العسكرية، تعامل مع الجغرافيا بحذر تقني، فاختار المرتفعات الشمالية الغربية لتوطين ثكناته، في ما يعرف اليوم بـ “دوار العسكر”، إدراكاً لطبيعة المجال الفيضي وصعوبة السيطرة على مياهه.

غير أن التحول الجذري وقع بعد الاستقلال، وبالضبط منذ نهاية السبعينيات، حين تزامن بناء سد وادي المخازن مع موجات الجفاف والهجرة القروية. هنا بدأ وهم “التحكم النهائي” في الماء، واعتُبرت مناطق كانت تاريخياً مستنقعات ومجاري سيول أراضي صالحة للبناء والاستقرار. توسعت المدينة أفقياً بسرعة، لا بمنطق التخطيط، بل بمنطق الاستيعاب الاستعجالي للوافدين الجدد، فظهرت أحياء فوق ذاكرة مائية لم تُمحَ، بل جرى دفنها تحت الإسمنت.

ما حدث في أحياء مثل “المرينة” ليس مفاجأة جغرافية، بل نتيجة منطقية لاختناق المجاري الطبيعية القديمة، وطمس الخنادق والأودية التي كانت تشكّل شبكة تصريف طبيعية للفيضانات. المدينة الحديثة لم تُصمَّم على أساس قراءة جيولوجية دقيقة، بل على افتراض سياسي وتقني مفاده أن “الخطر انتهى”، وأن السد والجفاف قادران على إعادة كتابة قوانين الطبيعة.

تاريخ القصر الكبير نفسه يقدم درساً مغايراً. المدينة صمدت عبر قرون، بينما اندثرت حواضر إدريسية مجاورة مثل البصرة ودمنة، ليس لأنها تحدّت الطبيعة، بل لأنها تكيّفت معها. حتى في فيضانات 1963 و1970 المدمرة، أعاد السكان بناء منازلهم فوق الأنقاض، محافظين على الذاكرة المكانية للمخاطر، في دورة عمرانية تراكميّة تحترم منطق المجال، رغم قسوته.

المفارقة أن التدخل الاستعماري ذاته، رغم محدوديته، تعامل تقنياً مع الإشكال المائي، عبر إغلاق قنوات كانت تفصل بين الشريعة وباب الواد، في محاولة لضبط تدفق المياه. بينما التوسع العمراني المعاصر، الذي يُفترض أنه أكثر علماً وخبرة، تجاهل الشبكة الطبيعية للخنادق والأودية، وبنى فوق مسارات مائية تاريخية دون شروط وقائية كافية.

الأخطر أن هذا الزحف العمراني لم يدمّر فقط توازن المدينة المائي، بل ضرب أيضاً حزامها الأخضر، عبر تحويل أراض فلاحية خصبة إلى كتل إسمنتية، ما أضعف قدرة المجال على امتصاص الصدمات المناخية، وعمّق الهشاشة البيئية. المدينة لم تعد تفقد الماء فقط، بل فقدت التربة التي كانت تمتصه، والفراغات التي كانت تحتويه.




صحيح أن التساقطات الأخيرة تجاوزت في حدّتها قدرة أي بنية تحتية، حتى في الدول المتقدمة، لكن هذا المعطى لا يعفي السياسات العمومية من مسؤولية تراكمية. فالمشكلة ليست في المطر وحده، بل في مدينة صُمّمت وكأن المطر لن يعود. بين ضعف الرقابة العمرانية، وضغوط الهجرة، وحسابات انتخابية تتحكم في منح الرخص، تشكّل نموذج حضري هش، يتوسع بلا ذاكرة، ويخطط بلا تاريخ.

في النهاية، ما تسائله “فيضانات اللوكوس” ليس فقط كفاءة القنوات وشبكات الصرف، بل فلسفة التعمير نفسها: هل نُخطط المدن باعتبارها كائنات تعيش داخل مجال طبيعي له قوانينه، أم باعتبارها مشاريع إسمنتية منفصلة عن الجغرافيا؟ القصر الكبير اليوم لا تعاني من غضب الماء بقدر ما تدفع ثمن نسيانه.