تونس بين إرث الثورة وتحديات قهر الدولة: معركة الحقوق والحريات في 2025–2026

0
176

بعد أكثر من عقد على ثورة الكرامة التي أرست الأمل في الديمقراطية والتحول، تجد تونس نفسها اليوم في مفترق طريق حقوقي وسياسي حاسم. في تقريرها السنوي “التقرير العالمي 2026”، سلّطت منظمة هيومن رايتس ووتش الضوء على ما تعتبره تصاعدًا مقلقًا في القمع السياسي وتراجعًا حادًّا في حرية الصحافة والتجمع المدني في البلاد، مع توظيف الجهاز القضائي والتنفيذي لآليات قانونية وُصفت بـ”الفضفاضة” لسحق المعارضة واحتواء الأصوات الناقدة.

منذ يوليو 2021، وبعد أن استولى الرئيس قيس سعيّد على السلطة، أصدرت السلطات سلسلة من الإجراءات الاستثنائية التي أودت بالديمقراطية الناشئة إلى هوامش. وفق تقارير حقوقية، فإن أجهزة الأمن والقضاء لم تعد مجرد أدوات تنفيذ للقانون، بل تحوّلت إلى آليات لضبط المشهد السياسي، إذ اُستخدمت تهم مثل “الإرهاب” و“التآمر على أمن الدولة” ضد معارضين ونشطاء سياسيين ومحامين وصحفيين دون ضمانات محاكمة عادلة.

المحاكمات الجماعية: من سياسة القضاء إلى قمع المعارضة

أحد أبرز أبواب هذا التحول كانت قضيتا “التآمر 1” و“التآمر 2”، اللتان تورّطت فيهما عشرات الشخصيات السياسية والمدنية، من بينهم قيادات معارضة بارزة. الحكم الصادر في هذه القضايا تراوح بين سنوات طويلة من السجن وحتى عقوبات بالغة القسوة، في قضايا وصفتها منظمات حقوقية بالمسيسة.

في قضية “التآمر 2” وحدها، حكمت محكمة استئناف في فبراير 2026 على أكثر من 20 شخصًا، من بينهم راشد الغنوشي، زعيم حزب النهضة، بالسجن بين 12 و35 سنة، وشدّدت حكمه من 14 إلى 20 سنة في أسلوب يثير جدلا داخليًا ودوليًا حول استقلالية القضاء.

المعارضون يشيرون إلى افتقار هذه المحاكمات لضمانات الإجراءات القانونية الواجبة، مع استخدام منصات الفيديو وحرمان الدفاع من التواصل الفعّال مع موكّليهم، ما يطرح أسئلة جدية حول مدى احترام الحقوق الأساسية في هذه المحاكمات.

حرية الصحافة تحت الضغوط: من التهم إلى الاعتقالات

الى جانب الملاحقات السياسية، تواجه حرية الصحافة والإعلام تراجعًا ملموسًا. وثّق تقرير هيومن رايتس ووتش استمرار الضغوط على الصحفيين، وإغلاق بعض المنابر، وتقييد حق الوصول إلى المعلومة، ما ساهم في وضع تونس في مراتب متأخرة عالميًا في مؤشرات حرية الإعلام.

وكشف التقرير أيضًا أن عدداً من الصحفيين ظلّ محتجزًا حتى نهاية 2025 وبداية 2026، في سياق يعكس استهداف المنابر المستقلة لأولئك الذين يطرحون أسئلة نقدية حول السياسة الرسمية، أو يغطيون أنشطة المعارضة.

المجتمع المدني والمهاجرون: معابر انتهاك ومساحات ضيقة

لم تقتصر الملاحظات الحقوقية على السياسيين والناشطين فحسب، بل امتدت إلى اللاجئين والمهاجرين، حيث وثّق التقرير حالات اعتقالات تعسفية وطرد قسري وسوء معاملة، بما في ذلك للأطفال غير المصحوبين بذويهم، في بيئة توحي بتصاعد الخطاب المعادي للمهاجرين في بعض الدوائر الرسمية والاجتماعية.

وإضافةً إلى ذلك، أشارت منظمات حقوقية محلية إلى عقبات تعيق عمل المجتمع المدني، بما فيها منع زيارات مراقبي حقوق الإنسان إلى السجون ومنع منظمات غير حكومية من ممارسة دورها في مراقبة حقوق السجناء والاحتجاز التعسفي.

النساء في مواجهة التمييز رغم الأطر القانونية

على الصعيد الاجتماعي، بالرغم من قوانين تهدف لحماية النساء، تواجه التونسيات قصورًا في التطبيق العملي لهذه التشريعات، خصوصًا في مجالات الميراث والعنف الأسري. تشير تقارير وطنية إلى تمزقات بين النصوص التشريعية والواقع العملي في الشرطة والقضاء، ما يجعل النساء عرضة لسيناريوهات من عدم الحماية رغم وجود أطر قانونية منذ 2017.

ردود فعل محلية ودولية: احتجاجات وصمت الشركاء

على الأرض التونسية، خرجت مسيرات احتجاجية أسبوعية تحت شعارات مثل “المعارضة ليست جريمة” و*“ولا بدّ للقيد أن ينكسر”*، في محاولة من قوى سياسية ومدنية الضغط ضد ما وصفته بـ السياسات القمعية واستعمال القضاء كسلاح سياسي.

على الصعيد الدولي، رغم الحديث عن شراكات استراتيجية مع الاتحاد الأوروبي وغيرها، يطرح مراقبون أسئلة حول مدى جدية هذه الشراكات في دفع تونس نحو احترام حقوق الإنسان، في وقت يرى فيه كثيرون أن الضغوط الخارجية ما زالت غير كافية لتغيير المسار.

خلاصة سردية: تونس بين الوعد والاختبار

تونس اليوم تواجه اختبارًا مركبًا: بين إرث ربيع 2011 الذي رفع سقف التوقعات في الحقوق والحريات، وبين الواقع الذي يفرض إعادة قراءة العلاقة بين السلطة والمجتمع المدني. تقرير هيومن رايتس ووتش 2026 لا يرسم صورة سوداوية فحسب، بل يسلّط الضوء على أداة القانون نفسها التي يمكن أن تُستخدم لحماية الحقوق أو لإسكات الأصوات، بحسب من يمسك بزمامها.

في هذا السياق، يبقى السؤال الأهم محوريًا: هل ستستطيع القوى المدنية التونسية، بدعم محلي ودولي، إعادة توازن المسار الديمقراطي، أم أن البلاد مقبلة على تحولات أعمق في صياغة العلاقة بين الدولة والمواطن؟