154 ألف مُجلى بالمغرب: هل نواجه كارثة طبيعية أم فشلًا في هندسة المجال؟

0
172

في سياق تداعيات موجة أمطار غير مسبوقة وجريان فيضانات واسعة شمال وغرب المغرب، خرجت وزارة الداخلية المغربية ببيان رسمي جديد يسلّط الضوء على أبعاد الأزمة، ويكشف عن واحدة من أكبر عمليات الإجلاء الاحترازية في التاريخ الحديث للبلاد، وذلك مع تواصل ارتفاع منسوب المياه في عدة أقاليم، وعلى رأسها القصر الكبير الذي شهد تصاعد المخاطر نتيجة عدم انحصار المياه بعد الفيضانات.

فيضانات استثنائية وإجلاء جماعي غير مسبوق

في قراءة أولى، تبدو الأرقام مجرد إحصائية باردة؛ 154 ألفًا و309 شخصًا تم نقلهم من مناطقهم، لكن خلف هذا العدد حكاية جماعات بأكملها تغادر منازلها، وشوارع تغمرها المياه، ومجتمعات متوقّفة أمام تحدّي الطبيعة.

توزعت عمليات الإجلاء على أربع أقاليم رئيسة: العرائش (112 695)، القنيطرة (23 174)، سيدي قاسم (14 079)، سيدي سليمان (4 361). وكل رقم هنا يمثل عائلة، مدرسة أُغلِقت، وظيفة مؤقتة توقفت، ومسار حياة اضطرّ لتغيّر دون سابق إنذار.




القصر الكبير: صراع مع المياه، لا مع الأرقام فقط

في مدينة القصر الكبير – إحدى المعاقل التاريخية في منطقة الغرب – تتجاوز الأزمة حدود الأرقام. هنا، بحلول هذه المرحلة، خرج الغالبية العظمى من السكان في إطار إجراءات احترازية، بعد أن فشلت جميع الجهود الأولية في احتواء تدفّق المياه، مما رفع منسوب الخطر وجعل المدينة في مواجهة مباشرة مع الطبيعة.

سبق أن واجهت المنطقة ارتفاعًا حادًا في مستوى نهر لوكّوس والسدود المحيطة، ما زاد الضغوط الهيدرولوجية على المدينة والقرى المجاورة، وتسبّب في فيضانات لم تُرَ منذ عقود، وأجبر السلطات على اتخاذ خطوات استباقية غير مسبوقة.

التدخل الحكومي: بين الوقائية والاستعداد لمزيد من التحديات

وفق بلاغ وزارة الداخلية المعتمد على تقييم دقيق للمخاطر، لم تكن عمليات الإجلاء رد فعل عشوائيًا، بل جزء من استراتيجية وقائية متدرجة تهدف إلى تقليل الخسائر البشرية ومواجهة احتمالات تفاقم الوضعية الهيدرولوجية التي ما زالت غير مستقرة.

تقوم هذه الاستراتيجية على:

  • مقاربة لوغستية متدرجة وفق درجات الخطورة. السلطات لم تكتفِ بالإخلاء بل نوّعت وسائل النقل، التنسيق، وتوفير الدعم اللوجستي لضمان سلامة المنقولين.

  • تعزيز اليقظة لدى المواطنين مع دعوات صريحة بعدم العودة إلى المناطق المتضررة حتى تتضح المعطيات الميدانية أكثر ويصدر توجيه رسمي.

إشكالية التغيرات المناخية وحتمية الاستجابة

ما يحدث في شمال وغرب المغرب ليس فقط حدثًا عابرًا؛ إنه مؤشر صارخ على تفاقم نمط الطقس المتطرف الذي يشهد ارتفاعًا في وتيرة الأمطار الغزيرة بعد سنوات من الجفاف الطويل، ما يضع البلاد أمام مفارقة قاسية: من شحّ المياه إلى فيضانات مفاجئة في غضون أيام.

وبينما كانت هذه الأمطار المنقذة لموارد البلاد المائية — حيث ساعدت على ملء السدود بنسبة غير متوقعة بعد سنوات من الجفاف— كانت أيضًا قوة مدمّرة في المناطق المنخفضة والمستوى المائي المرتفع للأنهار والسدود التي تجاوزت قدراتها.

الوجه الإنساني لما وراء الأرقام

إذا تجاوزنا الأرقام، فإننا نجد قصصًا إنسانية تتحدّث عن:

  • أسر متفّصلة في آخر لحظة عن حيواتهم اليومية.

  • أطفال اضطروا للنوم في ملاجئ مؤقتة بعيدًا عن بيوتهم.

  • مسنّين نُقلوا خارج منازلهم حفاظًا على سلامتهم.

  • اقتصاد محلي يواجه خسائر في محاصيله ومصادر رزقه بسبب السيول.

إنها حكاية مجتمع بأكمله يصارع فيضانات طبيعية، مشدودًا بين ضرورة الحفاظ على الأرواح ووجع الخسائر الشخصية والمادّية.

الخلاصة

تُظهر عمليات الإجلاء الحالية أن السلطات المغربية تعتمد نهجًا استباقيًا غير نمطي في مواجهة كوارث طبيعية تهدّد حياة آلاف المواطنين، في ظل تقلبات مناخية حادة. غير أن التحدّيات الحقيقية لا تنحصر في نقل الناس فقط، بل في إعادة بناء ما فُقد، وضمان جاهزية المجتمع لمستقبل قد يشهد المزيد من التقلبات المناخية.

بين أرقام وزارة الداخلية ووجوه الناس خلفها، يتصاعد سؤال مهم: هل سيكون هذا الحدث لحظة تحول في طريقة المغرب في إدارة مخاطر الكوارث الطبيعية، أم سيبقى مجرد فصل آخر في سلسلة تحدّيات مناخية تعصف بالبلاد؟