وقفة الرباط: المحامون يقولون لا لقانون يفرغ المهنة من جوهرها

0
166

لم يكن صباح السادس من فبراير يوماً عادياً في تاريخ المهنة، ولا مجرد محطة احتجاجية عابرة في رزنامة النضالات المهنية. كان أشبه بلحظة وعي جماعي، استعاد فيها جسد المحاماة المغربي رسالته الأصلية: أن يكون في قلب معركة الدفاع عن الدستور، وعن الحق الكوني في الدفاع، وعن المحاكمة العادلة بوصفها جوهر دولة القانون لا ترفاً تشريعياً قابلاً للتفاوض.

من طنجة إلى الكويرة، ومن وجدة إلى أكادير، تدفقت آلاف البذل السوداء نحو شارع محمد الخامس بالرباط، متحدية اضطرابات الطقس وبرودة السماء، في مشهد رمزي كثيف الدلالة: محامون ومحاميات يلتقون تحت “حماية الله”، كما عبّر بعضهم، وكأنهم يستعيدون طقساً قديماً من طقوس النضال الوطني، حين كانت المهنة في صلب معارك التحرر والدفاع عن الحريات.

الهتافات لم تكن مجرد شعارات احتجاجية، بل إعلان موقف تاريخي:
“ناضل يا محامي ناضل”،
“لا لقانون يفرغ المحاماة من رسالتها”،
“المحاماة قوية”.

كانت الكلمات تختزل إحساساً جماعياً بالخطر، ليس على الامتيازات المهنية، بل على معنى المهنة ذاته، وعلى موقعها داخل هندسة النظام الدستوري.

في قلب هذا المشهد، بدت كلمة النقيب الحسين الزياني، رئيس جمعية هيئات المحامين بالمغرب، أشبه بخطاب تأسيسي جديد. لم يتحدث عن مواد قانونية فقط، بل عن “معركة سياسية وحقوقية”، وعن مشروع قانون “يجهض المقومات الأساسية لرسالة الدفاع ويتعارض مع الدستور والمبادئ الدولية”. لحظة الذروة كانت حين دعا إلى نزع بدلة المحاماة، في حركة رمزية صادمة، بدت كأنها إعلان قطيعة إبستيمولوجية مع تصور رسمي للمهنة يُراد له أن يتحول من رسالة دستورية إلى وظيفة إدارية مضبوطة بسقف السلطة التنفيذية.

في مشهد موازٍ لا يقل كثافة، قام وفد من المحامين بزيارة رمزية لشيخ الحركة الحقوقية المغربية النقيب عبد الرحمن بن عمرو، رفقة النقيب عبد الرحيم الجامعي وعدد من الوجوه البارزة. لم تكن الزيارة بروتوكولية، بل استعادة لسلسلة نسب نضالية ممتدة: من جيل دافع عن المعتقلين السياسيين في سنوات الرصاص، إلى جيل يواجه اليوم ما يسميه “الردة الدستورية والتشريعية”.

حتى الطفولة حضرت في المشهد، من داخل المؤسسة التشريعية نفسها، في إشارة عفوية لكنها بالغة الرمزية: الأجيال القادمة تراقب معركة الكبار حول مستقبل العدالة. وفي زاوية أخرى من الساحة، وقف محام شاب في وضعية صامتة تحاكي تمثال باتريس لومومبا، رمز المقاومة الإفريقية، كأنه يقول إن المعركة ليست تقنية، بل وجودية: معركة كرامة مهنية وذاكرة حقوقية.

الرسالة تجاوزت الحدود الوطنية. ففي اليوم نفسه، أصدر المجلس الوطني لهيئات المحامين بفرنسا بيان تضامن بالإجماع مع حراك المحامين المغاربة، في اعتراف دولي بأن ما يجري في الرباط ليس شأناً مهنياً محلياً، بل قضية تمس معايير استقلال الدفاع في دولة يُفترض أنها تسير في اتجاه ترسيخ دولة الحق والقانون.

في المقابل، بدت لغة السلطة التنفيذية باردة ومتحفظة. وزير العدل عبد اللطيف وهبي رفض سحب مشروع القانون من البرلمان، معتبراً أن ذلك “يمنع المؤسسة التشريعية من القيام بدورها”، ودعا إلى إدخال التعديلات من داخل القبة فقط. لكن هذا الموقف، في نظر المحامين، يعكس اختزالاً تقنوقراطياً لمعركة يرونها سياسية بامتياز: معركة حول من يملك تعريف العدالة، ومن يحدد سقف استقلال الدفاع، ومن يرسم حدود العلاقة بين المهنة والسلطة.

هكذا، لم تكن وقفة السادس من فبراير مجرد احتجاج ضد مشروع قانون رقم 66.23، بل لحظة استعادة للمعنى. لحظة قال فيها جسد المحاماة، بصوت واحد، إن الدفاع ليس امتيازاً مهنياً، بل ركيزة دستورية، وإن أي تشريع لا ينطلق من هذا الأساس يتحول تلقائياً إلى تهديد لدولة القانون نفسها.

قد يمر القانون، وقد تُعدّل بعض مواده داخل البرلمان، لكن ما سُجّل في ذاكرة المهنة وفي ذاكرة الشارع الحقوقي هو أن هذا اليوم أسس لشيء أعمق: وعي جماعي بأن المحاماة في المغرب ليست مجرد مهنة تُنظم بنصوص، بل رسالة تاريخية تُقاس بمدى قدرتها على الوقوف في وجه كل محاولة لتحويل العدالة من حق إلى إجراء، ومن رسالة إلى وظيفة.