من طنجة إلى موائد المغاربة: حين تُحتجز الخضر في الموانئ ويُترك المواطن رهينة الغلاء
لم يعد الغلاء في أسواق الخضر والفواكه مجرد موجة عابرة أو تقلب ظرفي في الأسعار، بل تحوّل إلى سؤال اجتماعي وأخلاقي واقتصادي في آن واحد. أسعار غير مسبوقة تطرق يومياً أبواب الأسر المغربية: البصل يتراوح بين 12 و15 درهماً، وبعض الأنواع تقفز إلى 30 درهماً، في وقت يُقال فيه إن المغرب يعاني صعوبات في تصدير منتجاته الفلاحية إلى أوروبا بسبب الفيضانات وسوء الأحوال الجوية. مفارقة تبدو صادمة: إذا كانت الخضر متكدسة في المستودعات والموانئ، فلماذا لا تجد طريقها إلى موائد المغاربة بدل أن تتحول إلى أرقام في تقارير الخسائر؟
الرواية الرسمية، كما تقدمها الهيئات المهنية، تُرجع الاضطراب إلى العوامل المناخية. فارتفاع مستوى الأمواج في البحر الأبيض المتوسط أدى إلى توقف أو بطء حركة عبور الشاحنات عبر ميناء طنجة المتوسط، ما تسبب في تراكم الصادرات وتأخر وصولها إلى الأسواق الأوروبية. هذا التأخير لا يضر فقط بالمصدرين، بل ينعكس أيضاً على جودة المنتجات الطرية سريعة التلف، التي تفقد جزءاً من قيمتها التجارية كلما طال انتظارها.
لكن خلف هذا التفسير التقني، يبرز سؤال أكثر عمقاً: من يدفع ثمن هذا الارتباك؟ فبينما يتحدث الفاعلون المهنيون عن انخفاض أسعار البيع في الخارج بسبب تكدس المعروض، يعيش المستهلك المغربي وضعاً معاكسا تماماً، حيث ترتفع الأسعار داخلياً بشكل حاد، وكأن السوق الوطنية منفصلة عن منطق العرض والطلب الحقيقي. المواطن يسمع أن الشاحنات عالقة، وأن المنتجات تتلف، لكنه لا يرى أثراً لذلك إلا في جيبه.
الأخطر في هذا المشهد أن جزءاً مما يُعرض في الأسواق المحلية هو، في نظر كثيرين، ما رُفض أصلاً في الأسواق الأوروبية لعدم مطابقته لشروط الجودة. أوروبا تأخذ “الأفضل”، وتُعاد “البقايا” إلى الداخل بأسعار ملتهبة، دون أي حماية فعلية للقدرة الشرائية أو شفافية في مسارات التوزيع. هنا يتسلل الشعور بأن السوق لم تعد مجرد فضاء اقتصادي، بل ساحة تتحكم فيها لوبيات ومضاربات، تستثمر في الندرة حتى عندما تكون الوفرة قائمة فعلاً.
من منظور اقتصادي صرف، يبرر بعض المسؤولين استمرار التصدير بكونه ضرورة للحفاظ على العملة الصعبة واحترام العقود الدولية، إذ إن الإخلال بها يعرّض المصدرين لغرامات ويضر بسمعة المغرب التجارية. غير أن هذا المنطق يصطدم بمنطق اجتماعي أشد بساطة: “الصدقة في الأقربين أولى”، فكيف يُعقل أن تُحتجز الخضر في الموانئ أو تُباع بخساً في الخارج، بينما المواطن المغربي يعجز عن اقتناء أساسيات مطبخه؟
الواقع أن الأزمة كشفت خللاً بنيوياً في تدبير الأمن الغذائي، حيث لا توجد آليات واضحة لتحويل فائض التصدير إلى السوق الداخلية في لحظات الطوارئ، ولا سياسات صارمة لضبط الأسعار ومواجهة المضاربة. ومع اقتراب شهر رمضان، يزداد القلق من انفلات جديد للأسعار، في ظل غياب رؤية تجعل من السوق الوطنية أولوية حقيقية لا مجرد هامش تابع لحسابات التصدير.
هكذا تتحول الأحوال الجوية من مجرد عامل طبيعي إلى مرآة تعكس اختلالات أعمق: اقتصاد فلاحي موجّه أساساً للخارج، سوق داخلية مكشوفة أمام اللوبيات، ومواطن يُطلب منه الصبر كلما ارتفعت الأسعار، دون أن يُمنح حق السؤال عن مصير ما يُنتج باسمه وعلى أرضه. الأزمة ليست فقط في المطر والبحر، بل في منطق التدبير الذي يجعل الخضر تسافر أكثر مما تخدم أصحابها.