محمد أوجار: من المعارض الصارم إلى داعم موحّد — انقلاب سياسي أم تقاطع استراتيجي؟

0
124

في مفارقة سياسية تثير الأسئلة أكثر مما تقدّم إجابات، وجد القيادي الحزبي محمد أوجار نفسه، خلال أيام معدودة، في موقع لم يكن متوقعًا أن يصل إليه: من منحى نقدي لخطاب الحزب والحكم، إلى إعلان دعم واضح لترشيح شخصية أخرى لقيادة «التجمع الوطني للأحرار» في المؤتمر الاستثنائي الذي انعقد بداية فبراير 2026.

قبل أيام فقط، كان أوجار صاحب مواقف متشدّدة تجاه بعض السياسات الداخلية داخل حزبه، بل وحتى تجاه طبيعة العلاقة بين السلطة التنفيذية والهياكل الإدارية في البلاد، معتبراً في تصريحات له أن الأحزاب «عاجزة» أمام ما وصفه بـ«الدولة العميقة» وبيروقراطية شديدة تقيد قدرة المنتخبين على العمل بفاعلية.




ثم فجأة — كما لو أن صفحة قُلبت — أعلن دعم ترشيح محمد شوكي لرئاسة الحزب، شخص يتمتع بدعم واضح من قيادات الحزب وعلى رأسها رئيسه السابق، عزيز أخنوش، في خطوة اتُخذت «من أجل رص الصفوف وتقوية مناعة التنظيم» قبيل الاستحقاقات القادمة، كما قال أوجار في حديثه الإعلامي.

هذا التحوّل، وهو تحول سريع وحاد كما يبدو، أثار أكثر من سؤال في الأوساط السياسية والمحللية:

  • هل تغيّر رأي أوجار لأن المرحلة السياسية الراهنة تستدعي تضافر الجهود أكثر من التصعيد؟
    في تصريحاته الأخيرة، يؤكد أوجار أن المرحلة الحالية «تفرض تقديم مرشح وحيد» لتفادي الانقسامات، ما يُعطي انطباعًا بأن حسابات الاستقرار الداخلي ترجّح على مواقف نقدية سابقة.

  • أم أن هناك ترتيبًا داخليًا في الحزب دفعه لإعادة النظر في موقفه؟
    ما يعزز هذا الاحتمال هو التقارير التي ذكرت أن أوجار كان يعتزم الترشّح لخلافة أخنوش، قبل أن يسحب ترشيحه ويدعم شوكي، في ما بدا نوعًا من التوافق الحزبي لتفادي نزاع تنظيمي قد يُضعف قوة الحزب قبيل الانتخابات.

أوجار هو شخصية سياسية طويلة الخبرة، شغل مناصب وزارية وحقوقية وكان له خطاب مستقل في بعض المراحل، لكنه في كثير من الأحيان ـ بحسب مراقبين ـ يأخذ منحى براغماتيًا أكثر من كونه أيديولوجيًا، ما يسمح له بالمناورة بين خطوط حزبية وسياسية مختلفة دون أن يلتزم دائمًا بموقف ثابت معيّن.

ولأن السياسة في الجوهر ليست رياضيات ثابتة، فإن التحوّلات في مواقف القادة ليست غريبة في حد ذاتها. فقد يغيّر السياسي مواقفه لأسباب تتعلق بالظرف، بالتحالفات، أو حتى بقراءة الهوامش الاجتماعية التي يحتكم إليها داخل حزبه أو خارجه. ما يثير الاهتمام هنا هو سرعة هذا التحوّل الحاد لدى أوجار، ووضوحه الشديد من نقد لاذع إلى دعم موحّد في وقت قصير جدًا.

قد يرى البعض في هذه اللفتة السياسية نوعًا من البراغماتية الحزبية التي تهدف إلى الحفاظ على تماسك الحزب، وقد يراها آخرون انعطافًا سريعًا في المواقف يثير الاستغراب خصوصًا إذا ما قارناها بتصريحات سابقة كان فيها الصوت أكثر تصعيدًا وانتقادًا. لكن ما يجمع عليه محللون هو أن السياسة، بطبيعتها، تعتمد على التوقيت والتقدير أكثر مما تعتمد على الثبات المطلق في المواقف.

في النهاية، تظل الذاكرة السياسية أكثر وضوحًا من أي خطاب مرحلي. لن تنسى تصريحات أمس سريعاً لأنها موثقة وما زالت جزءًا من سجلات النقاشات العامة، لكن ثمة من يرى أن قدرة السياسي على التحوّل لا تُعدّ تراجعًا قدر ما هي محاولة للموازنة بين معطيات المرحلة ومتطلبات الواقع.