أكثر من 12 ألف سؤال بلا جواب… عندما تتحوّل الرقابة البرلمانية إلى أرشيف مؤجّل

0
143

تدخل حكومة عزيز أخنوش سنتها التشريعية الأخيرة وهي مثقلة بحصيلة رقمية ثقيلة الدلالة: آلاف الأسئلة البرلمانية ما تزال عالقة دون جواب، في مشهد يكشف فجوة متزايدة بين منطق المساءلة الدستورية وواقع الأداء التنفيذي. فبدل أن تشكّل الأسئلة البرلمانية قناة حيّة لمراقبة السياسات العمومية وتصحيح الاختلالات، تحوّلت تدريجيا إلى ركام إحصائي يراكم الأرقام أكثر مما ينتج الأثر.

المعطيات الرسمية لحصيلة الدورة الخريفية ترسم صورة واضحة لهذا الاختلال. فقد بلغ عدد الأسئلة الكتابية المطروحة خلال الولاية الحالية حوالي 36.795 سؤالا، أجابت الحكومة عن 24.395 منها فقط، أي بنسبة تقارب 68 في المائة. غير أن ما تخفيه هذه النسبة هو رقم أكثر إزعاجا: أزيد من 12.400 سؤال ظلّ بلا جواب، أي ما يقارب ثلث مجموع الأسئلة، وهو ما يعني عمليا أن ثلث آلية الرقابة البرلمانية معلّقة في الهواء، دون تفاعل رسمي، ودون أثر ملموس على السياسات العمومية.

الحكومة، عبر الناطق الرسمي مصطفى بايتاس، حاولت تأطير هذه الحصيلة داخل خطاب “الدينامية الرقابية”، مقدّمة مقارنات رقمية مع ولايات سابقة. ففي الولاية التاسعة بلغ عدد الأسئلة الكتابية 25.147 سؤالا أُجيب عن 16.793 منها بنسبة 66.78 في المائة، وفي الولاية العاشرة طُرح 25.727 سؤالا أُجيب عن 14.590 فقط بنسبة 56.71 في المائة. أما الولاية الحالية فقد قفز فيها العدد إلى ما يقارب 37 ألف سؤال، مع نسبة تجاوب قريبة من 68 في المائة، وهو ما قد يبدو، في القراءة السطحية، تحسّنا نسبيا.

غير أن القراءة السياسية العميقة تكشف مفارقة حادّة: كلما ارتفع منسوب المساءلة عدديا، تضخّم بالمقابل رصيد الأسئلة غير المجاب عنها. فالتحسّن النسبي في النسبة لا يلغي حقيقة وجود كتلة ضخمة من الملفات الرقابية المؤجلة، التي تحوّل البرلمان إلى منتج مكثف للأسئلة، دون قدرة حقيقية على فرض الإيقاع نفسه على الجهاز التنفيذي.

الوضع لا يختلف كثيرا على مستوى الأسئلة الشفهية، التي يُفترض أن تكون أكثر سرعة وارتباطا بالنقاش السياسي المباشر. فقد بلغ عدد الأسئلة الشفهية خلال الولاية الحالية 26.761 سؤالا، لكن عدد الأجوبة لم يتجاوز 6.186 جوابا فقط، وفق البرمجة المعتمدة داخل البرلمان. معنى ذلك أن عشرات الآلاف من الأسئلة الشفهية طُرحت دون أن تجد طريقها إلى الجواب، ما يعكس اختلالا بنيويا بين حجم الطلب الرقابي وسقف الاستجابة الحكومية.

في المقابل، حرص الخطاب الرسمي على إبراز حصيلة تشريعية إيجابية: 19 قانونا تمت المصادقة عليها خلال الدورة الخريفية، شملت مجالات الاقتصاد والمالية، والسياسة والانتخابات، والقضاء، والحماية الاجتماعية، والتعليم، إضافة إلى نصوص تتعلق بالحقوق والحريات والطفولة والحالة المدنية. وهي حصيلة تشريعية لا يمكن إنكارها من حيث الكم وتنوّع المجالات.

غير أن هذا الزخم التشريعي يصطدم بفراغ رقابي متراكم. فالقانون، مهما بلغ حجمه وعدده، لا يعوّض غياب التفاعل مع أسئلة تمسّ حياة المواطنين اليومية: أسعار، خدمات، تدبير محلي، اختلالات قطاعية، وملفات اجتماعية واقتصادية حساسة. كل سؤال بلا جواب ليس رقما محايدا، بل قضية مؤجلة، وصوتا مؤسساتيا لم يجد صدى داخل دواليب القرار.

النتيجة أن البرلمان يبدو وكأنه ينتج “طوفانا” رقابيا، بينما تردّ الحكومة بردّ جزئي وانتقائي، تتحوّل معه آلاف الأسئلة إلى أرشيف إداري بدل أن تكون أدوات ضغط فعلي لتقويم السياسات العمومية. وفي لحظة سياسية تقترب فيها البلاد من استحقاقات انتخابية جديدة، يصبح هذا التراكم أكثر من مجرد خلل تقني؛ إنه مؤشر على أزمة في العلاقة بين السلطتين التشريعية والتنفيذية، حيث تتسع الهوة بين من يطرح الأسئلة ومن يملك سلطة الإجابة.

في عمق الصورة، لا تكمن الإشكالية في عدد الأسئلة ولا في نسب التفاعل فقط، بل في المعنى السياسي للمساءلة نفسها: هل ما يزال البرلمان قادرا على فرض إيقاعه الرقابي على الحكومة؟ أم أن الأسئلة، مهما تضاعفت، تتحوّل إلى طقس مؤسساتي فاقد للأثر، يراكم الأرقام ويؤجل المحاسبة، بينما تتقدّم السياسات العمومية خارج دائرة الضغط الحقيقي؟
أكثر من 12 ألف سؤال بلا جواب ليست مجرد إحصائية، بل علامة فارقة على حدود المساءلة في التجربة السياسية الحالية.