غلاء الدواجن قبل رمضان… هل هو اضطراب سوق أم سياسة غير مُعلنة؟

0
84

في توقيت بالغ الحساسية، ومع اقتراب شهر رمضان الذي يرتفع فيه الطلب الغذائي بشكل طبيعي، عاد ملف أسعار الدواجن إلى واجهة النقاش العمومي، ليس فقط باعتباره مسألة استهلاكية ظرفية، بل بوصفه مؤشرا أعمق على اختلالات بنيوية في منظومة التسويق والتوزيع، وعلى هشاشة الحماية الفعلية للمستهلك داخل سوق يفترض أنه محرر وتنافسي.

مرصد حماية المستهلك دق ناقوس الإنذار، محذرا من تقلبات غير مبررة في أسعار الدجاج، رغم وفرة الإنتاج وانخفاض أسعار البيع في الضيعات، وهو تناقض يكشف فجوة صريحة بين منطق العرض في المصدر، ومنطق السعر في السوق النهائي. فجوة لا يمكن تفسيرها اقتصاديا فقط، بل تطرح سؤال السلطة داخل سلسلة التوزيع: من يقرر فعلا السعر؟ المنتج أم الوسيط أم من يحتكر المعلومة؟

المرصد لم يكتف بوصف الظاهرة، بل ربطها بسياقها القانوني، معتبرا أن ما يجري يمس جوهر القانونين المنظمين للسوق: قانون حماية المستهلك، وقانون حرية الأسعار والمنافسة. وهي إشارة ذكية إلى أن المشكلة ليست في الأسعار المرتفعة في حد ذاتها، بل في غياب الشفافية، وفي غموض مسارات التسويق، وفي ضعف آليات الضبط والرقابة.

تصريحات رئيس المرصد حسن آيت علي تكشف صورة سوق غير متوازن، تتقلب فيه الأسعار بين 11 درهما و30 درهما للكيلوغرام في فترات زمنية قصيرة، دون أن يتغير بشكل جوهري لا حجم الإنتاج ولا كلفة الأعلاف ولا الطلب الحقيقي. ما يتغير فعليا هو موقع الوسطاء داخل السلسلة، وقدرتهم على التحكم في التدفق وفي المعلومة، وبالتالي في السعر.

هنا بالضبط يصبح الغلاء ظاهرة مركبة: ليس نتيجة ندرة، بل نتيجة تنظيم غير عادل للسوق. ليس انعكاسا لتكلفة الإنتاج، بل لهامش الربح في الوساطة. وليس أزمة ظرفية، بل نمط متكرر يتجدد كلما اقترب موسم استهلاكي كبير: رمضان، الأعياد، المناسبات الاجتماعية.

اللافت أن هذا النقاش يتزامن أيضا مع تصاعد قلق المواطنين بخصوص أسعار البيض، باعتباره المنتج الأكثر التصاقا بالمائدة اليومية، والأكثر حساسية لأي اضطراب في سلاسل التوزيع. البيض والدواجن يشكلان معا العمود الفقري للبروتين الشعبي، وأي خلل فيهما لا ينعكس فقط على القدرة الشرائية، بل على الأمن الغذائي بالمعنى الاجتماعي.

من زاوية أعمق، يمكن قراءة هذا المشهد بوصفه نتيجة مباشرة لتحرير السوق دون استكمال شروط المنافسة الحقيقية. سوق مفتوحة نظريا، لكنها مغلقة عمليا أمام صغار المنتجين، ومركزة في يد قلة من الوسطاء الكبار، الذين لا يخضعون لمساءلة فعلية، ولا لتتبع دقيق لهوامش الربح.

المستهلك في هذه المعادلة ليس طرفا اقتصاديا، بل حلقة ضعيفة، يتحمل كلفة كل اختلال، دون أن يمتلك أدوات التفاوض أو المعرفة أو الحماية القانونية الفعلية. وحتى دعوات المرصد لتفعيل دور مجلس المنافسة وتشديد المراقبة، تظل إلى حدود الآن أقرب إلى خطاب تحذيري منها إلى سياسة عمومية ملموسة.

السؤال الذي يفرض نفسه إذن ليس: لماذا ارتفع سعر الدجاج؟ بل: لماذا يتكرر هذا الارتفاع في كل موسم؟ ولماذا لا تتحول وفرة الإنتاج إلى وفرة في القدرة الشرائية؟ ولماذا يظل المستهلك هو الطرف الوحيد الذي يؤدي ثمن “تحرير السوق” دون أن يجني ثماره؟

في العمق، نحن أمام أزمة ثقة في منظومة التسويق، وأزمة حكامة في تنظيم الأسعار، وأزمة حماية اجتماعية في بلد أصبح فيه الغذاء نفسه موضوع قلق يومي. رمضان لا يكشف الغلاء، بل يفضحه فقط. لأنه يعرّي هشاشة سوق يُدار بمنطق الربح السريع، لا بمنطق الأمن الغذائي.