في مدريد، حيث تُدار الملفات الكبرى عادة خلف الأبواب المغلقة أكثر مما تُدار على طاولات الإعلام، دخلت مفاوضات الصحراء يومها الثاني تحت عنوان واحد: السرية القصوى والرهان الأمريكي على كسر الجمود التاريخي. جولة تفاوضية وُصفت منذ بدايتها بأنها “تقنية”، لكنها في عمقها سياسية بامتياز، لأنها لا تبحث فقط في تفاصيل الحل، بل في إعادة ترتيب موازين القوة والمرجعيات داخل نزاع عمر لأكثر من خمسة عقود.
المفاوضات التي تحتضنها السفارة الأمريكية بالعاصمة الإسبانية لم تكن مبرمجة أصلاً لتمتد أكثر من يوم واحد، غير أن مسعد بولس، كبير مستشاري الرئيس الأمريكي لشؤون إفريقيا والعالم العربي، اقترح تمديدها ليوم إضافي، بعد أن تبيّن أن سقف الخلافات أعلى من أن يُحسم في جلسة واحدة. حضور وزير الخارجية المغربي ناصر بوريطة، ونظيره الجزائري أحمد عطاف، إلى جانب وزير الخارجية الموريتاني محمد سالم ولد مرزوك، وممثل جبهة البوليساريو محمد يسلم بيسط، منح هذه الجولة ثقلاً سياسياً غير مسبوق، خصوصاً مع مشاركة مايكل والتز، الممثل الدائم للولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة، وستافان دي ميستورا، المبعوث الشخصي للأمين العام.
لكن ما بدا ظاهرياً كاجتماع متعدد الأطراف، كان في العمق اختباراً أمريكياً لقدرة واشنطن على فرض “إطار تفاوضي جديد”، يتجاوز منطق المبادرات المتعددة والمتناقضة، نحو مرجعية واحدة واضحة المعالم. فوفق معطيات متقاطعة، تسعى الإدارة الأمريكية إلى اعتماد المبادرة المغربية للحكم الذاتي في صيغتها المحينة، المكونة من أربعين صفحة، كقاعدة تقنية وحيدة للنقاش، انسجاماً مع قرار مجلس الأمن رقم 2797، وبمنطق يقوم على الانتقال من الشعارات السياسية إلى تفاصيل التنفيذ العملي.
اللافت في هذه الجولة ليس فقط ما قيل داخل القاعة، بل ما لم يُقل خارجها. فالمصادر تتحدث عن تكتم غير مسبوق، حتى داخل الوفد المغربي نفسه، حيث جرى تقليص قنوات التواصل مع الرباط إلى الحد الأدنى، في إطار ما وُصف بـ”سيادية القرار وحساسية المرحلة”. مفاوضات تُدار بعيداً عن التسريبات، وبتنسيق أمريكي صارم، يشترط عدم تداول أي معطيات مع الإعلام، وكأن واشنطن تريد حماية المسار من ضغط الرأي العام قبل أن تتبلور نتائجه.
في هذا السياق، برز توجه أمريكي واضح نحو إدماج هذه المفاوضات داخل مسار أممي مضبوط زمنياً، يمتد لثلاثة أشهر فقط، تنتهي في ماي المقبل بلقاء رسمي في نيويورك لتوقيع “اتفاق إطار” سياسي، يُفترض أن يفتح الباب أمام الإنهاء الفعلي للنزاع. حضور دي ميستورا لم يكن بروتوكولياً، بل رسالة بأن الأمم المتحدة ستتبنى ما تفرزه مدريد، بعد سنوات من الدوران في حلقة مفرغة.
غير أن المفصل الحقيقي في هذه الجولة هو أن الإدارة الأمريكية لم تعد تتعامل مع ملف الصحراء كقضية معزولة، بل كجزء من صراع إقليمي مغربي جزائري أوسع. فالملف، وفق الرؤية الأمريكية، يشكل العقبة الأكبر أمام أي استقرار استراتيجي في شمال إفريقيا، وهو ما يفسر إدراج قضايا أخرى ضمن النقاش غير المعلن، مثل القطيعة الدبلوماسية بين الرباط والجزائر، وملف الحدود البرية المغلقة منذ عقود.
هذا الفهم يفسر أيضاً توتر الموقف الجزائري، الذي بلغ ذروته برفض أحمد عطاف التقاط صورة جماعية تجمعه بناصر بوريطة ومسعد بولس ودي ميستورا. بالنسبة للجزائر، الصورة ليست تفصيلاً بروتوكولياً، بل رسالة سياسية قد تُقرأ كتطبيع رمزي قبل نضج شروطه، وهو ما دفع الوفد الجزائري إلى مغادرة القاعة من باب جانبي، تفادياً لأي مشهد قد يُستثمر إعلامياً.
ورغم هذا التوتر، تشير المعطيات المتداولة إلى أن واشنطن نجحت في تحقيق اختراقات مهمة. أولها انتزاع اعتراف صريح من جميع الأطراف، بما فيها الجزائر، بأن الوثيقة المغربية المحينة هي المرجع الوحيد المطروح للنقاش الفني، دون أي مقترحات بديلة. وثانيها الاتفاق على تأسيس لجنة تقنية دائمة تضم خبراء قانونيين تحت إشراف أمريكي-أممي، لتفكيك تفاصيل تنزيل الحكم الذاتي، من الضرائب إلى القضاء والأمن المحلي. وثالثها رسم خارطة طريق إجرائية، تُعرف بـ”مدريد 2026”، تحدد موعد الجولة الحاسمة في واشنطن لتوقيع اتفاق إطار سياسي.
في المقابل، بقيت نقاط خلاف رمزية لكنها دالة، أبرزها مسألة المصطلحات، حيث تصر الجزائر على الإبقاء على مفهوم “تقرير المصير” بصيغته الكلاسيكية، بينما يربطه المغرب بالحكم الذاتي، مع ميل واضح في الموقف الأمريكي لصالح الطرح المغربي. خلاف لغوي في ظاهره، لكنه يعكس معركة سرديات حول طبيعة الحل وحدوده.
استراتيجياً، يبدو أن المغرب خرج من هذه الجولة في موقع قوة، بعدما نجح في فرض منطق “الواقعية السياسية” وجعل مبادرته المرجع الوحيد للنقاش. في المقابل، تجد الجزائر نفسها تحت أكبر ضغط ديبلوماسي منذ بداية النزاع، بين رغبتها في عدم الظهور كطرف مباشر، وواقع مشاركتها في مفاوضات تُصنّف اليوم كمسار ملزم.
أما الولايات المتحدة، فقد كرّست نفسها كوسيط فعلي وحيد قادر على جمع الخصوم في غرفة واحدة، متجاوزة سنوات من الجمود الأممي. الوسيط الذي لا يكتفي بإدارة الحوار، بل يعيد هندسة قواعده ومرجعياته، ويضع له سقفاً زمنياً صارماً.
الخطوة التالية المنتظرة هي صدور بيان رسمي من واشنطن خلال الساعات المقبلة، يُرجّح أن يتضمن عبارات قوية حول دعم السيادة المغربية والدعوة إلى الانتقال من التفاوض إلى التنفيذ. بيان قد لا يعلن نهاية النزاع، لكنه سيؤشر على بداية مرحلة جديدة، أقل ضبابية وأكثر التصاقاً بمنطق الحسم.
باختصار، مفاوضات مدريد لم تكن مجرد لقاء تقني، بل لحظة مفصلية في مسار قضية الصحراء: المغرب مرتاح لمسار يكرّس مقترحه كحل وحيد، الجزائر في موقع دفاعي غير مسبوق، وواشنطن تمسك بالخيوط، لا باعتبارها وسيطاً محايداً فقط، بل مهندساً لمسار سياسي جديد في شمال إفريقيا.