الأزمة بين وهبي وهيئات المحامين… حين تفشل الوساطة ويُترك الخلاف عاريًا أمام الرأي العام

0
98

لم تعد الأزمة بين وزير العدل عبد اللطيف وهبي وهيئات المحامين مجرد خلاف تقني حول بنود مشروع قانون، بل تحوّلت إلى مواجهة سياسية ومؤسساتية مكشوفة، بعد فشل مساعي وساطة برلمانية كانت تراهن عليها بعض الفرق النيابية لاحتواء التوتر المتصاعد. فشلٌ لا يعكس فقط تعثّر الحوار، بل يكشف عمق الشرخ في منطق التعاطي مع إصلاح مهنة تُعد من ركائز العدالة ودولة القانون.

وفق معطيات متقاطعة، جرت في الأيام الأخيرة اتصالات غير معلنة بين رؤساء فرق برلمانية من الأغلبية والمعارضة، وبين وزير العدل وجمعية هيئات المحامين بالمغرب، في محاولة لفتح قناة تفاوض غير رسمية حول مشروع القانون المثير للجدل. غير أن هذه المبادرة وُلدت ميتة، بعدما اصطدمت بشرط أساسي تمسكت به الهيئات المهنية: سحب المشروع من أساسه قبل أي حوار، وهو ما جعل الوساطة تفقد معناها السياسي والعملي في الآن ذاته.

المفارقة أن وزير العدل، بحسب مصادر متطابقة، لم يُبدِ رفضًا مبدئيًا لفكرة الجلوس إلى طاولة النقاش، بل أبدى استعدادًا للحوار، قبل أن يتلقى اعتذارًا عن عقد اللقاء، في ظل تصلب مواقف المحامين. اعتذارٌ لا يخلو من دلالة: فالطرف البرلماني الذي حاول لعب دور الجسر وجد نفسه عاجزًا عن تقريب وجهات النظر، في نزاع لم يعد تقنيًا بل أصبح صراعًا حول من يمتلك شرعية الإصلاح ومن يحدد سقفه.

في المقابل، عبّرت أصوات داخل المعارضة عن رفضها أصلًا لمنطق الوساطة، معتبرة أن الحكومة، ممثلة في وزارة العدل، هي الجهة الوحيدة التي تتحمل مسؤولية هذا المشروع، وبالتالي فهي المعنية سياسيًا بإقناع الفاعلين المهنيين، لا الاحتماء بوساطات برلمانية قد تُفهم كتنصّل من المسؤولية. بهذا المعنى، تحوّلت الوساطة من أداة لحل الأزمة إلى موضوع خلاف جديد حول طبيعة الأدوار الدستورية وحدود التدخل السياسي.

وسط هذا الانسداد، تواصل هيئات المحامين تصعيدها غير المسبوق عبر وقف أداء الخدمات المهنية، في خطوة تحمل شحنة رمزية قوية: تعليق جزء من العدالة باسم الدفاع عن العدالة نفسها. خطوة تضع الدولة أمام امتحان حقيقي، ليس فقط في إدارة النزاع، بل في قدرتها على إنتاج إصلاح تشاركي لا يُفرض بمنطق الأمر الواقع ولا يُدار بمنطق الغلبة التشريعية.

اللافت في هذه الأزمة أنها لم تعد صراعًا حول نص قانوني، بل أصبحت مرآة لأزمة أعمق في علاقة السلطة التنفيذية بالفاعلين المهنيين، وفي تصور الحكومة لمفهوم الحوار الاجتماعي والمؤسساتي. فحين يفشل البرلمان في لعب دور الوسيط، وتفشل الوزارة في إقناع شركائها، ويغلق المحامون باب التراجع، يصبح السؤال الجوهري ليس: من سيربح هذا النزاع؟ بل: من سيدفع كلفة انهيار الثقة بين الدولة وإحدى أهم مكونات منظومة العدالة؟