حين تفشل الإدارة في حماية الملك العمومي: من يحاسب المسؤولين؟

0
54

لم تعد قضية الهبات الجماعية في ضواحي الدار البيضاء مجرد ملفات إدارية مهملة، بل تحولت إلى ما يشبه “الصندوق الأسود” الذي يكشف، تدريجياً، عن أعطاب عميقة في تدبير الملك العمومي، وعن مساحات رمادية بين القانون والممارسة، حيث تتقاطع المصالح وتتوارى المسؤوليات. ففتح السلطات الإقليمية بجهة الدار البيضاء–سطات أبحاثاً إدارية معمقة حول اختلالات خطيرة في هذا المجال لم يكن إجراءً روتينياً، بل استجابة لمعطيات رسمية مقلقة تتحدث عن شبهات تلاعب ممنهج في ممتلكات يفترض أنها وُضعت في خدمة الصالح العام.

الأبحاث، بحسب ما توفر من معطيات، انطلقت من تقارير مفصلة رفعتها أقسام الشؤون الداخلية بالعمالات والأقاليم، بعد رصدها تجاوزات متكررة تمس مساطر قبول وتقييد الهبات التي قدمها أشخاص ذاتيون ومعنويون لفائدة الجماعات الترابية دون مقابل. تقارير كشفت أن هذه الهبات، رغم استيفائها للشروط القانونية، لم تُقيّد في سجلات الأملاك الجماعية، ولم تُحفظ لدى المحافظة العقارية، في خرق صريح لمقتضيات التنظيم المالي والإداري للجماعات.

المثير للقلق أن هذا الإهمال لم يكن حالة معزولة أو ظرفية، بل شمل عشرات الهبات التي يعود بعضها إلى أكثر من خمسة عشر سنة، ظلت خلالها خارج أي إطار قانوني واضح، وكأنها موجودة فقط على الورق. رؤساء جماعات وأمرون بالصرف، حسب المصادر نفسها، تقاعسوا عن اتخاذ الإجراءات اللازمة دون تقديم مبررات موضوعية أو سند قانوني، ما فتح الباب واسعاً أمام التساؤل: هل نحن أمام مجرد ضعف إداري، أم أمام إرادة متعمدة لترك هذه الأملاك في وضعية “معلقة”؟

داخل المجالس الجماعية نفسها، تفجرت هذه الأسئلة خلال دورات فبراير الأخيرة، حيث ساد نقاش حاد وجدال سياسي محتدم بين الأعضاء، بعد اتهام عدد من الرؤساء بـ“التلكؤ” في تفعيل المساطر القانونية المرتبطة بتسجيل الهبات ونقل ملكيتها بشكل رسمي ونهائي. المفارقة أن بعض هذه الهبات عُرضت فعلاً على أنظار المجالس وصودق عليها خلال دورات مكتملة النصاب، غير أن المصادقة ظلت شكلية، لم تترجم إلى إجراءات إدارية ملموسة، وظلت الهبات حبيسة الأدراج.

هذا الوضع حرم الجماعات الترابية من الاستفادة الفعلية من موارد كان من الممكن أن تشكل رافعة لمشاريع تنموية أو تجهيزات عمومية، في وقت تعاني فيه العديد من المناطق من خصاص بنيوي في العقار المخصص للخدمات الأساسية. هدر مضاعف: هدر للثقة في المؤسسات، وهدر لفرص التنمية المحلية.

الأخطر، وفق المعطيات المتداولة، هو بلوغ بعض الحالات مستوى الاشتباه في وجود تواطؤ محتمل بين مسؤولين جماعيين والواهبين الأصليين، بهدف استرجاع هذه الهبات أو التصرف فيها لاحقاً بطرق ملتوية، مستفيدين من عدم تقييدها قانونياً. فغياب التحفيظ والتسجيل لا يبدو هنا مجرد خلل تقني، بل آلية لإنتاج “وضعية رمادية” تسمح بإعادة توجيه الملك العمومي أو تغيير طبيعته خارج أي مراقبة مؤسساتية فعلية.

في العمق، لا تكشف هذه القضية فقط عن خلل في تدبير الهبات، بل عن أزمة أوسع في الحكامة الترابية، حيث يغيب ربط المسؤولية بالمحاسبة، وتتحول الثغرات القانونية والإدارية إلى مداخل لتفريغ مفهوم الملك العمومي من محتواه. فتح هذا الملف من طرف السلطات قد يكون بداية مسار تصحيحي، لكن رهانه الحقيقي لن يتحقق إلا إذا انتقل من منطق البحث الإداري إلى منطق المساءلة الصارمة، حتى لا تظل الهبات الجماعية مجرد عناوين جميلة تخفي وراءها شبكات مصالح صامتة.